لماذا رفضت أن أكون سفيرا ؟؟!!
 
DateTime 01/11/2012 10:29:27 م    

د.عبده يحيى الدباني
الإهداء: إلى صمام أمان قضية شعب الجنوب وتحريره واستقلاله واستعادة دولته، إلى القاعدة الشعبية الراسخة المتماسكة الثائرة في الحراك السلمي الجنوبي.
 
قد يبدو أن هذه المسألة شخصية صرف وأنها تبقى في دائرة الأسرار الشخصية وأن الكتابة فيها نوع من المباهاة وتلميع الذات والتنويه بها ولفت الانتباه إليها ولكن الحق والحق أكتب أنني لا أريد بهذه المقالة تلميعاً لنفسي الأمارة بالسوء ولا إظهارا للزهد والنزاهة والتباهي بهما ولا المزايدة على الخصوم السياسيين أومهاجمتهم وإنما أردت إظهار حقيقة ما مر بي من تجربة ونقلها إلى الآخرين لأنها قد حدثت للآخرين وما تزال تحدث في عالم السياسة وصراعاتها واستقطاباتها ومغرياتها وهناك من ضعف وقبل العرض صغيراً أو كبيراً وهناك من تأبى ورفض، ولا ريب فالناس معادن ومواقف.
 
ومن غير مقدمات أو مقبلات فالمسألة تتلخص أن طرفاً من أطراف الحكم في صنعاء عرض علي عبر بعض الأصدقاء في عدن منصب سفير في وزارة الخارجية بحيث يكون هذا المنصب من حصتهم في حكومة الوفاق، وعندما سألت عن سبب هذا الاختيار قيل لي يريدون كادراً مؤهلاً يحمل شهادة عليا بحيث يكون من إحدى مديريات ردفان، لأن مسألة الانتماء المناطقي تهمهم حسب المعايير التي يتعاملون بها.
 
هذا كل ما في الأمر فهم لم يشترطوا علي شيئاً مسبقاً ولعلهم سيشترطون في حالة أنني وافقت على الفكرة، أما صديقي الذي نقل إلي العرض لم يكن مرتبطاً بهذه الجهة السياسية صاحبة العرض بقدر ما كان رسولاً أميناً ولعله لم يكن راضياً عن هذا الأمر ولكنه نقله إلي لأرى فيه ما أشاء، فأنا هنا لم أتحامل عليه ولا على الجهة التي وسطته فشكراً لهذه الجهة على كل حال سواء حسنت النوايا أم ساءت لأن الذوق يفترض علينا أن نقول ذلك بصرف النظر عن الخصومة السياسية واختلاف المواقف. لقد أضمرت الرفض لهذا العرض من الوهلة الأولى ولكنني سمحت لنفسي بالتفكير فيه وتركت الأمر يأخذ مجراه لأن زمامه بيدي على اعتبار إن الخير في ما اختاره الله تعالى فمضيت في طريق الاستخارة والاستشارة حتى لا أكون عدمياً مع أن الأمر لا يحتاج إلى كل ذلك حتى أرفضه
.
فكرت في ما يمكن أن يتحقق لي من مكسب في حالة موافقتي وفي حالة أن تصدق هذه الجهة بتحقيق عرضها أي في حالة أن أغدو سفيراً هكذا ضربة واحدة فهذا منصب كبير يحلم فيه الكثيرون.
 
وجدت أن التغيير واحداً من هذه المكاسب فالواحد منا يتمنى أن تعطى له فرصة الخروج من هذه البلاد والتي لم يستقر لهل حال، فالسفر قد يكون فرصة لتجديد الحياة والتعرف على بلدان ومدن جديدة، وفرصة كذلك للتزود بالعلم والمعرفة في مجال التخصص أو في المجالات الأخرى فضلاً عما في منصب السفير من مكاسب مادية وامتيازات وتذليل صعاب وحل مشاكل ومكانة اجتماعية مرموقة وغير ذلك من المكاسب على المستوى الشخصي.
 
وحين نظرت في الجانب الآخر وهو الجانب السلبي أي جانب الخسارة التي ستلحق بي أو بغيري في حالة موافقتي على قبول هذا المنصب إذا تحقق، وجدت سلبيات هذا الأمر ومحاذيره تحيط بي من كل جانب وتنظر إلي منذرة ومحذرة وبعض هذه المحاذير كان ينطلق من داخلي بحكم ثقافتي وتربيتي وطبيعة عملي كأستاذ جامعي يفترض فيه القدوة ثم إن آبائي وإخواني وأبنائي في الحراك السلمي الجنوبي سيشكل لهم هذا الخبر إحباطاً وتذمراً وهروباً من وسط المعركة وخذلاناً لا يمكن أن يغتفر مهما صدقت النوايا وبررت المواقف لاسيما أن السياسة هي تسجيل نقاط في الزمان والمكان المناسبين وكما قيل تجنب الذنب خير من طلب مغفرته بعد وقوعه، كما أنني أرفض بشدة أن يتعلم مني أحد تبديل المواقف وانتهاز الفرص على حساب قضية وطنية عادلة كقضية شعب الجنوب فقدري أنني معلم وخطر المعلم وأهميته تكمنان في قدوته ومثاليته أمام الأجيال.
ومن المحاذير أيضاً الازدواجية في الولاء والعمل فكيف لي أن أخدم نظام صنعاء في حين يقتل إخوتي في الجنوب وكيف أكون ممثلاً مخلصاً للجمهورية اليمنية في حين أنني في هواي وإخلاصي وولائي جنوبي حتى العظم ومؤمن بحق تحرير الجنوب واستقلاله واستعادة دولته فلن أستطيع أن أكون مزدوجاً أو منافقاً صاحب وجهين ظاهر وباطن وإن كان البعض يقدر على ذلك ويتعامل معه، وحتى السياسة نفسها لا تأنف من هذا الأمر بل تتعامل معه، بيد أن الأمر عندي مختلف كمثقف همه القدوة والمثالية والوضوح.
 
محاذير كثيرة وسلبيات أكثر تجسدت أمامي حينما سمحت لنفسي التفكير في عواقب الموضوع، فكيف سأعمل ضد مصلحة شعبنا في الجنوب وقد قضينا سنين نعمل من أجل نصرة قضيته العادلة كيف نفرط برمزيتنا لدى الناس الذين يراهنون علينا ويقتدون بنا ؟ كيف نصيبهم في مقتل من اليأس والإحباط في لحظة تاريخية فارقة وحرجة.
 
فالمسألة لا تتعلق بي كشخص ولكنها كذلك ترتبط بالأكاديميين الحراكيين ورمزيتهم وحضورهم وأهميتهم في المشهد الثوري الجنوبي التحرري كما ترتبط برمزية المثقفين الجنوبيين بوجه عام لاسيما الحراكيون منهم فضلاً عن رمزية ردفان وما أدراك ما ردفان؟؟ التي حرصت الجهة السياسية أن يكون المختار سفيراً منها.
ثم ماذا عن أولادي حين يقال لهم تهكماً أبوكم باع القضية !! وصار سفيراً وقد كان يزايد علينا باسم الجنوب!! وصدع رؤوسنا بالحراك والمحاضرات والمقالات ؟ هل سأقول لهم إنني سلكت هذا الطريق من أجلهم .. من أجل مستقبلهم ؟ هذا لا يبرر الفعل ولا يخفف من صدمة التحول؟ لعلهم سيكونون في وضع أفضل في حالة صار أبوهم سفيراً، سيسافرون ويحصلون على منح وغير ذلك من الامتيازات.
 
ولكن كل ذلك ــ إذا تحقق ــ سيكون على حساب قضية وطنهم الجنوب المسلوب ، وهم في الأول والأخير جنوبيون وسيلحقهم ما لحق بأجيال الجنوب على هذا النحو أو ذاك ، فالقضية أكبر من أن يذهب كل جنوبي عاجلاً أم آجلاً يعالج مسألة تهميشه ومرارته بطريقة منفردة ، أو يطلب ذلك ممن كانوا سبباً في ضياعه وخراب وطنه ودولته أو ينتظر ضربة حظ من هنا أوهناك ، فهذا ليس حلاً شاملاً ولا جماعياً ولا دائماً ولا عزيزا وأحياناً يكون لا أخلاقياً ، وعلى أية حال فأبنائي ليسوا أفضل من كل أجيال الجنوب الذين سيظل مستقبلهم مرهوناً بتحرير بلدهم وقيام دولتهم المستقلة التي ستضمن لهم بعون الله تعالى حياة عزيزة وكريمة وعصرية ، صحيح أن الرزاق هو الله ، وأن المستقبل بيده تعالى ولكن لابد من اتخاذ الأسباب سواء على مستوى الفرد أم الشعب أم الأمة ، فهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تحويلاً ولا تبديلاً!
 
لا أريد أن أطيل في هذا المقال بقدر ما أريد توصيل الرسالة ولعلها قد وصلت من خلال ما تقدم ولا يعني هذا أن يرفض الجنوبيون أن يعملوا في إطار مديريات الجنوب ومحافظاته في سبيل تسيير شؤون المواطنين من غير أن يضروا بمصلحة قضيتهم الأم قضية شعب الجنوب وأهدافها الوطنية المشروعة ومن غير أن ينفذوا سياسة صنعاء وتعليماتها ويخضعوا لها كل الخضوع بما يضر الجنوب وأهله وقضيته وهويته ، فالولاء أولاً وأخيراً للوطن ولقضيته العادلة ومستقبله المنشود.
ثم ماذا أقول لشهداء الجنوب الأبرار الذين ارتقوا من أجل القضية لاسيما أنني كنت على معرفة بعدد منهم وكانوا يرون فينا المثل والقدوة؟ ماذا نقول لوضاح ومتاش وأديب الجعشاني وشاعن والنامس ومحسن طوئرة وفارس طماح والدرويش والأستاذ عبد الوهاب الضالعي وشهداء المنصة والمعجلة وزنجبار وجعار  وساحة الحرية والمعلا والمكلا وعتق والمنصورة والحوطة والضالع وغيرهم قوافل و قوافل هل نقول لهم : لقد سقطتم أنتم في سبيل القضية وسقطنا نحن في سبيل المصلحة الفانية!! حينما لايكون للتضحيات قيمة ولا يكون للمبادئ أوفياء وللشهداء من يثبت على دربهم ويقبض على الجمر حينئذ قل على الدنيا السلام ولن تنتصر قضية ولن ينهض شعب سلكا هذا المسلك وهذا ماحدث للإخوة في الشمال ولثوراتهم وشهدائهم ورموزهم للأسف الشديد .
 
وأخيرا ً أجد نفسي أنصح كل زملائي الأكاديميين والمثقفين والسياسيين في الثورة الجنوبية التحررية ألا يقع أحدهم أو بعضهم تحت أي ضغط سواء من خلال الترغيب أو من خلال الترهيب ليغير مواقفه ويتحول إلى الجانب الآخر المعادي لقضيتنا لاسيما إن عروض الترغيب ورسائل الترهيب زادت هذه الأيام تربصا ً بالجنوبيين طمعا ً في مشاركتهم في الحوار المزعوم المأزوم الذي سيبدأ كما قيل بعد أيام في صنعاء فحذار حذار من الصعود إلى الأسفل.
 
                                                   د/ عبده يحيى الدباني
عضو المجموعة الأكاديمية وعضو تيار: مثقفون من أجل جنوب جديد