شوقي شفيق ومحنة المثقف اليمني
 
DateTime 04/11/2012 03:54:19 م    
بقلم/ د / عيدروس النقيب 

في العام 1976م حصل شوقي شفيق على الجائزة الأولى لمهرجان الشعر العربي للشعراء الشباب العرب عن قصيدته " بيروت تفاحة الدم" إذا لم تخني الذاكرة، وكان شوقي في بداية العشرينات من عمره، ترأس شوقي مجلة الفنون وأدار مجلة الثقافة الجديدة وأصدر عددا من الدواوين الشعرية أهمها : "تحولات الضوء والمطر"، "مكاشفات"، "أناشيد النزيف"، "شرك شاهق" وله ديوان مشترك مع الشاعر نجيب مقبل بعنوان " خرائب الأنا"، وقدم عبر الإذاعة والتلفيزيون من عدن عددا من البرامج الثقافية كما أجرى عشرات الحوارات الثقافية مع مثقفين عرب وعالميين كبار، ومما لا يعرفه الكثيرون أن شوقي مترجم جيد ترجم العديد من القصائد والمقالات والبحوث من اللغة الإنجليزية، فضلا عن كتابته القصة القصيرة والمقالة الثقافية، وبكلمات قليلة كان شوقي من الفاعلين الكبار في الساحة الثقافية اليمنية وأكاد أقول والعربية.

رافقت شوقي وآخرين في الكثير من الفعاليات الثقافية، في مهرجان المربد الشعري ـ بغداد 1989م، ومؤتمر التضامن مع الشعب العراقي، في العام 1990م، ومهرجانات الشعر اليمني منذ العام 1997م حتى 2010م وفي مؤتمرات اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في صنعا وعدن وأعمال المجلس التنفيذي للاتحاد منذ العام 2005م وكل من يرافق شوقي لا يجد فيه إلا طاقة هائلة من الإبداع وروح تمتلئ بالحيوية والنشاط وأخلاق رفيعة تعبر عن ثقافة غزيرة وإنسانية متأصلة في هذا المثقف اليمني الجميل.
في العام 1997م ذهب شوقي إلى صنعاء لمتابعة مستحقات مجلة الفنون ومحاولة إعادة إصدارها، بعد أن توقفت بسبب الحرب الظالمة.. مجلة الفنون التي كانت تصدر في عدن، وكان شوقي ما يزال رئيسا لتحريرها.
انتظر شوقي في مكتب الوزير وأبلغ سكرتارية معاليه (الوزير) ليرتبوا له لقاء مع الوزير لمناقشة قضايا الثقافة في عدن ومجلة الفنون على وجه الخصوص.أبلغ مدير مكتب الوزير بأن شوقي ينتظره فتساءل الوزير من هذا شوقي شفيق؟ وقيل له رئيس مجلة الفنون، فتساءل الوزير مرة أخرى: أي مجلة فنون تعنون؟
كان الوزير معذورا فقد دخل الوزارة من بوابة إمامة المسجد وهي مهنة جليلة لكن لا علاقة لها البتة بالثقافة، كما إنه لم يكن معنيا بالشعر والأدب والثقافة خصوصا في عدن فمعظم من جاءوا بعد 1994م لم يكونوا يعرفون في عدن إلا البقع والمنشآت القابلة للاستيلاء والمواقع الاستثمارية والموارد القابلة للنهب، وما عدا ذلك فلا علاقة لهم به.
اليوم لدينا وزير يعرف شوقي جيدا، وهو زميل في الحركة الثقافية في عدن وأبين، ولدينا رئيس وزراء من أبناء عدن ويحفظ آلاف الأبيات الشعرية ولا شك أنه سمع شيئا عن شوقي شفيق، ولدينا رئيس جمهورية عاصر عدن أيام كان شوقي يتألق في جمعية الأدباء الشباب وما تركته من بصمات رائعة في تاريخ الحركة الشعرية اليمنية، لكن كل هذا لم يشفع لشوقي للفوز بمنحة علاجية تنقذه من الجلطة الدماغية التي أقعدته الفراش.
شوقي شفيق ليس ابن عدن وحدها، شوقي شفيق ابن اليمن كل اليمن، بل إنه ابن الحركة الشعرية العربية الحديثة ولو كان في بلد غير اليمن لكان قد حصل على العلاج وتماثل للشفاء، والشفاء بيد الله وحده لكن الإهمال والتجاهل يضاعف مخاطر المرض ويقلل من فرص التشافي، وشوقي يستحق أكثر من مجرد صرف تذاكر سفر وتكلفة العلاج.
شوقي جزء من الثروة الثقافية غير المرئية لمن لا صلة لهم بالثقافة والإبداع، الثروة التي لا يدرك قيمتها إلا من يدرك ما معنى الإبداع والشعر والأدب والفن وقيمة كل ذلك في حياة الشعوب.
محنة شوقي شفيق هي تلخيص مكثف لمحنة المثقف اليمني الذي ينظر إليه صناع القرار على إنه مجرد حاجة كمالية يمكن استحضارها في لحظات الترف والاستمتاع ثم الاستغناء عنها عند الضرورة وليس كمنتج معرفة وصانع وعي ومساهم في تشكيل القيم والمثل الاجتماعية للمجتمع وتهذيب أرواح أهله وغسلها من الأوبئة الاجتماعية المتكاثرة في البيئة السياسية الملوثة كبيئتنا اليمنية الممتلئة بكل عوامل اليأس والإحباط والاكتئاب.
لشوقي كل التمنيات بالشفاء العاجل وما تزال دعواتنا للحكومة ولرئيس الجمهورية بالتبني السريع لعلاج هذا القيمة الثقافية، حتى لا يكون الإبداع هو أول ضحايا الإهمال.
برقيات:
 * مرة كنا نجلس على هامش إحدى الفعاليات الثقافية في صنعا، وكان النقد حاضرا لشطحات ومزايدات بعض المحسوبين على الحزب الحاكم، قال شوقي: وماذا في ذلك أنا أيضا عضو في المؤتمر الشعبي العام، حقيقة لم أكن أعرف عن شوقي إلا النأي بنفسه عن الانتماءات الحزبية، لكنني قلت له: مثلك لا يضيف له الانتماء الحزبي شيئا أنك أنت من يضيف الكثير من الأشياء للحزب الذي تنتمي إليه.
*  تذكرت ذلك أنا أترقب كيف أن قيادة هذا الحزب التي تنفق مئات الملاييين على المجاملات وشراء الذمم لم تفكر في تقديم قيمة تذكرة سفر أو حتى قيمة وصفة طبية لهذا الكاتب المبدع الذي يفترض أن يفتخروا بأنه ينتمي إلى حزبهم.
*  من أقوال شوقي الرائعة دوما
قل إنه اللاشيء يعلو جثتي
بدم يشيخ على دمي
قل إنه اللاوقت يرجع بي الى رؤيا الطفولة،
حيثما تطفو مياه الروح في ورق الهجاية.
قل هو الفقدان ينشر وقته في الارض.
من مدن الطفولة راجع، للتو، صوتي عاثراً،
وعلى ضفاف نقائضي تنساب أهوائي وأوجاعي
وأمي تغسل الأثواب للجيران، والرقع القديمة
في صباح(العيدروس) واخوتي جوعى
صباحٌ كله قلقٌ على صحن الغدا،
وأنا على ريقي
احاول قطعةً من وهم خبزٍ أوشطائر.
قل هو اللاشيء