كهنة الطغيان والاستعباد..!!
 
DateTime 09/11/2012 10:35:46 م    


محمد علي محسن
«الولاء إما أن يكون لله أو أن يكون للشيطان، والولاء لله ليس له إلى طريق واحد وهو الولاء للإمام علي بن أبي طالب، والإقرار بالولاية له ولأحفاده من بعده، وما عدى ذلك فإنه ولاء للشيطان، وولاء لأميركا».
هذه مقتطف من خطبة عبد الملك الحوثي في يوم الغدير ، اعترف لكم إنني صدمت بكون الرجل مازال مسكونا في كهوف السلالية والعنصرية المقيتة ، إنه يتكلم اليوم عن حق وتفويض الهي يمنحه وسلالته الولاية والحكم من دون سائر خلق الله .
ما أعلمه هو ان دين الاسلام أكبر وأعظم من أن تحتكره جماعة او فئة او جنس أو لغة أو لون ، فلا كهنوتية ولا رهبنة ولا تمايز بين البشر ، فهذا التخصيص الذي يحدثنا عنه الحوثي وبعيد اربعة عشر قرنا على دين الاسلام كان سببا في ما آل اليه دين موسى وهارون .
فالمغالاة في التيهود جعلت دين الله وكتبه وصحفه وانبيائه مقتصرة على طائفة من خلقه ، وعندما اختزلت اليهودية بقوم من الناس ودون سواهم من عامة البشر ؛ كان منتهى الديانة اليهودية بأنها لم تستطع الانتشار اسوة ببقية الاديان بما فيها الوثنية ، إذ بقت محتكرة بسلالة نقية سامية خاصة بهم وحدهم ودون سواهم ، بما فيهم طائفة كبيرة ليسوا من امهات يهوديات كشرطية لاكتساب صفة اليهودي .
إنني اسمع عبد الملك وكأنه يردد ذات المنطق والحجة غير السوية والضالة ، فما الفارق بين تنطع وعصبية القائلين باصطفائهم ونقاء دمهم وسمو جنسهم وبين القائلين بكونهم احباب الله وعثرة انبيائه ورسله ؟ ما الفارق بين طاقية ذلكم اليهودي المتطرف الذي يعد نفسه مختصا ومميزا ومفضلا من عند رب السماء وبين عمامة ذلكم المسلم المتعصب الذي يعتبر ذاته الانقاء والاسمى والاحق بخلافة الله في ارضه ؟
ما الفارق بين ان يكون السلطان قرشيا بناء والقاعدة الفقهية التي ابتدعها موالو اموية الحكم والقائلين بقرشية الخليفة وبين معارضي الفكرة المنحازين لهاشمية الحكم والقائلين بإمامة علي قبل ان تتوسع الدائرة ؛ فيكون الامام هاشميا - فاطميا كان او علويا او عباسيا ؟ يا الله ما هذه الخزعبلات الطافحة بالعنصرية والعرقية ! واحد يدعي بحق الهي في ان يحكمك ويستبدك ويهينك وأخر ينافح عن قداسة كي يبقي سوطا يجلد ظهرك ويقهرك ويلغي عقلك !
اليوم اسمع من يتحدث عن عبد الفتاح وعلي البيض وحيدر العطاس ليس بصفاتهم ومراكزهم التي حققوها بنضالهم وفكرهم وجهدهم ؛ وإنما بنسبهم العدناني المحض . لعقود مضت ومازلنا الى يومنا ونظرتنا لهؤلاء الرؤساء لم تتبدل او تتغير ؛ فثلاثتهم من عامة القوم ولا فرق بينهم وعموم المجتمع غير إنهم تبوؤا مكانة قيادية ونضالية بناء وجهدهم ومثابرتهم ومؤهلهم وعلاقتهم ؛ لا بناء وحقهم الالهي ، او بكونهم اناس مختلفون ومنزهون ومميزون في دمهم وعرقهم ونسبهم وطبقتهم مثلما يظن ويعتقد السيد عبد الملك واتباعه الحاملين لراية الولاية لنا ولأولادنا واسباطنا الى ان يرث الله ارضه .
فتولية البيض او العطاس او عبد الفتاح لم يكن يوما وفق منطق الهي سلالي يراد تعميمه وتصديره الى مساحة جغرافية تجاوز اهلها مسألة الولاية الكهنوتية ، صحيح ان هناك فئة قليلة مازالت مثقلة بإرث استعلائي عنصري فيما يتعلق بانغلاقها الاجتماعي ، لكننا وإذا ما نظرنا الى مسألة ادارة الدولة والوظيفة والمهنة والحياة عامة ؛ فأننا لا نجد فيه ما يميز جماعة عن أخرى .
فيكفي القول هنا بان اقحام البيض والعطاس في معركة الامامة الحوثية القائمة في شمال الشمال ليس له ما يبرره غير الاستغلال القبيح والفظ ، فلا اعتقد ان احدا من الجنوبيين يمكنه استساغة فكرة الاستحقاق الالهي التي يبشر بها ابناء واسباط الامامية والكهنوتية ، كيف لا وجميعنا يدرك وعلى يقين بان قيادات الجنوب تبوأت مناصبها الرفيعة باعتبارها من طبقة العمال والفلاحين والصيادين لا من طبقة الاسياد والمنزهين والمقدسين .
المعايير الالهية ، لا أعلم ماهية هذه المعايير التي يحدثنا عنها اناس لم يتحرروا بعد من جاهلية ابي جهل ومكابرة وعصبية سادة قريش ، فهل هنالك ما هو اتفه واحقر من ان نتصارع في سبيل طغيان العبودية المغلفة برداء العدالة المطلقة التي لا وجود لها بين البشر ؟ وهل هنالك ما هو اذم واقبح وادنى من تعالي وتكبر وتعجرف ابليس اللعين الذي طرد مذموما مدحورا فلقد أغتر بأصله وفصله فكان اول العصاة المنبوذين الى قيام الساعة .
القول بوجوب طاعة الحاكم وإن ظلمنا وجلدنا وقهرنا وقتلنا ، اعتقد مسألة ليست من الدين ؛ إنما هي صنيعة كهنة الطغيان ، كما إن لا ولاية لإمامة تعد ذاتها منزهة والهية ومصطفاة من رب السماء ، فكل هذه المرويات الناضحة بالعنصرية والعبثية هي مرويات زائفة مداهنة مناقضة لدين الحق ولرسالة نبيه .
أسأل ؛ كيف ان خلافة ابو بكر تمت بتوافق الانصار والمهاجرين – او كما يحلو للبعض ارجاعها الى شدة وحسام عمر بن الخطاب - وفي سقيفة بني ساعده ، وفيما جثمان النبي محمد بن عبدالله لم يوار بعد ثراه ؟ .
فهل كان الانصار اغبياء وسذجا ولدرجة جعلتهم يختلفون مع المهاجرين حول تسمية الخليفة ومبايعته ؟ وكيف خاض الطرفين نزاعا وحوارا قبل ان يستقر رايهم على مبايعة ابو بكر بن الصديق على كتاب الله وسنة رسوله ، وعلى ان لا يتفرد الخليفة والمهاجرين بالقرارات المهمة دون مشاطرتهما الانصار ، وألا يستأثرا الخليفة والمهاجرين بكل فيء وغنيمة ؟ .
وهل كان الامام علي كرم الله وجهه جبانا وضعيفا وجاهلا بحديث الغدير ولحد إنه ترك الخلافة تذهب لثلاثة خلفاء ليسوا من العائلة الهاشمية ؟ أم كان عليا زاهدا وورعا وعالما وشجاعا لحد إنه تم تكفيره وقتله ثمنا وقربانا لقول الحق والصدق ورفض الباطل والعصبية ؟ فبرغم محاولات المتنطعين القائلين الآن بحقهم في ولاية الامة إلا إن احدهم لم يقل لنا لماذا الامام علي لم يوص باستخلافه من احد نجليه الحسن او الحسين خاصة بعد ان آل اليه قرار الخلافة من بعده ؟
وكيف صمت ابو بكر وعمر إزاء مطلب الانصار بخلافة رسول الله ومن ثم بمناصفة السلطان : منا وزير ومنكم وزير ؟ لماذا لم يقل احدا من صحابة الرسول بكون الانصار ليسوا من قريش أو عثرة آل هاشم كشرطية يجب توافرها لمبايعتهم ؟ إين اختفى حديث الغدير وكيف اغفلت احاديث البيعة لقريش ؟
لطالما قلنا بانه هناك اخطاء فظيعة تم ارتكابها بداعي سياسي لا صلة له البتة بترسيخ وتثبيت عدالة السماء ، لقد شاب التاريخ الاسلامي الكثير من الغلط والعسف ، فما من مرحلة تاريخية إلا واعترتها ممارسات خاطئة وتشوهات عميقة اثرت وتركت ندوبا غائرة ما فتأت قاصمة منكية لجوهر الاسلام الحقيقي الذي يمكننا العثور عليه في اسيا واروبا وأمريكا، ولا نجده في موطنه ومهبط وحيه .
فسوى كانت هذه الاخطاء نتاج صراع سياسي على الحكم ، أو إنها ارتكبت بفعل التأويل الخاطئ للنص المقدس المنزل على لسان نبيه أو للاحاديث النبوية التي تم جمعها تاليا - بعيد ان اختلفت وتعددت وتنازعت الاقوام حول صحتها ونسبها وتطبيقها - ؛ فكل ما نراه من تشوه وانحراف واساءة وغلو يستلزمه باعتقادي الشيء الكثير تصويبا وتنقية وتمحيصا وعقلنة وعصرنة وتحريرا وتأويلا وتوقيرا وتقديسا .
فهذا الدين القويم الذي نباهي بكونه لكافة امم الله - فيما ممارسة البعض منا تريده مختزلا بطقوس وشعائر وافكار وممارسة جامدة ومتخلفة لا ترتقي لعظمته وسموه - لم ولن يكن مخصوصا ومحتكرا بفئة او طائفة او لون او عرق او جنس ؛ بل هو دين الله ولكل خلقه ، ودون فروق او تمايز او تعالي او قداسة او رهبنه او وساطة ، فيكفي الانسان هنا ان يكون مؤمنا تقيا والسلام ! فالمساواة من الله والتمييز بدعة صنعها البشر .