اليمن وإشكاليات عملية الانتقال (1)
 
DateTime 13/11/2012 09:47:14 م    

 د.عيدروس نصر النقيب 

لم تكن الثورة السلمية اليمنية بشقيها الحراك السلمي الجنوبي المنطلق في 2007، 


وثورة الشباب السلمية 2011م، لم تكن حالة عبثية عبرت عن نزق سياسي أو نوع من المراهقة الفكرية المؤقتة، بل لقد جاءت تعبيرا عن حتمية موضوعية، . . . حتمية فرضتها حالة الاحتباس السياسي والاختناق الاجتماعي والاقتصادي والانهيار الثقافي والقيمي الذي وصل إليه المجتمع اليمني، والتي تجلت ( هذه الحتمية) من خلال مجموعة من الملامح أبرزها: الانقسام الوطني (رأسيا وأفقيا) والانهيار الاقتصادي واستفحال حالة الفساد وتفشي الظواهر الاجتماعية الغريبة على مجتمعنا من تنامي القمع السياسي والقتل خارج القانون والإختفاء القسري إلى تهريب الأطفال و الزواج السياحي ثم ظاهرة بيع وشراء الولاءات، وتهريب الممنوعات وتهريب الآثار والاتجار بها، وغيرها من الأعراض التي عبرت عن استفحال الداء ووصوله مرحلة استحالة العلاج إلا بالبتر الذي بدونه يصبح الجسد الاجتماعي اليمني مهددا بالموت . 

إن هذه الموضعية المختلة قد مثلت الأرضية التي منها وبسببها انطلق الثورة اليمنية السلمية بدءا بالحراك السلمي في الجنوب عام 2007م ثم الثورة الشبابية السلمية في العام 2011م التي شملت كل الوطن اليمني من أقصاه إلى أقصاه.

لقد مثلت المبادرة الخليجية مدخلا سياسيا لعملية انتقال السلطة الذي لا يعني بالضرورة بلوغ الثورة اليمنية أهدافها كاملة، بل مجرد التمهيد لمجموعة من الإجراءات التي يفترض التوافق عليها ليس فقط بين القوى السياسية الحاضرة في الساحات وفي الفضاء السياسي اليمني عموما، بل وبين سائر مكونات المجتمع اليمني وفي المقدمة النشطاء الميدانيين في ساحات الحراك السلمي وميادين الثورة والتغيير، وهذا الانتقال من غير شك يصطدم بمجموعة من الإشكاليات ذات الطبيعة المركبة التي تحتاج كل منها إلى ثورة ليس بالضرورة عن طريق الشارع ولكن قبل هذه ثورة على الأفكار وفي العقول وفي نمط التعاطي مع القضايا والتحديات التي تواجه المجتمع وهو يمضي نحو آفاق المستقبل.

إشكاليات عملية الانتقال السلمي للسلطة:
1.        إشكالية الدولة والقبيلة:

تعد ظاهرة التنازع بين السلطتين الحكومية والقبلية ظاهرة ملازمة لمجمل التحولات السياسية في اليمن منذ أن فكر اليمنيون ببناء مجتمعهم الجديد وتأسيس دولتهم العصرية، عند منتصف أربعينات القرن الماضي، ومع قيام الثورتين اليمنيتين في مطلع الستينات لعبت عوامل عديدة دورا كبيرا في عدم نجاح المشروع المدني الذي يكفل للدولة النمو والترسخ والقيام بوظائفها بعيدا عن تأثير الموروث التقليدي، حيث ووجهت ثورة سبتمبر بحرب أهلية لعب العامل القبلي دورا كبيرا ليس فقط في مقاومة الثورة بل وفي الدفاع عنها، وهو ما خلق استحقاقات جديدة حتمت التحالف مع القبائل ثم فيما بعد تنامي العامل القبلي على حساب النظام الحكومي واستمر الأعراف القبلية وازدهارها على حساب القانون، وباستثناء تجربة الرئيس الحمدي الذي حاول وضع أسس لدولة جديدة وتجربة الشطر الجنوبي في فترة السبعينات والثمانينات في تأسي الحياة المؤسسية ونشرها في عموم البلاد، وهي تجربة انتهت في العام 1990، وبصورة نهائية في العام 1994م، مثلما انتهت تجربة الشهيد الحمدي باغتياله في العام 1977م، باستثناء هاتين المحاولتين فإن حضور الدولة قد شهد تعثرا وانكماشا بلغ ذروته في مشاهد لجوء المظلومين إلى نحر الثيران أمام قصر الرئاسة أو مبنى البرلمان للاستجارة من ظلم لحق بهم أو البحث عن حق فقدوه أو عدل لم يجدوه.

ليست المشكلة في وجود القبيلة فالقبيلة ظاهرة اجتماعية تاريخية منتشرة في كل البلدان العربية وبلدان العالم المنامي بل وحتى في بعض البلدان المتحضرة، المشكلة في اليمن أن القبيلة في أغلب الحالات تحولت إلى كيان موازي بل وبديل للدولة وأن الدولة (مجازا) قد سلمت الأمر للقبيلة في كثير من الحالات، ويعلم الجميع أن بعض المحافظين وبعض الوزراء لا يستطيعون أن يمارسوا عملهم ما لم يرض عنهم زعماء بعض القبائل، ويتذكر الجميع كيف قام أحد الزعماء القبليين في مطلع التسعينات بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء بالوكالة في وسط صنعاء العاصمة، لمجرد علمه (أي الشيخ) بأن الرجل كان يحاول البحث عن مخرج غير الحرب في نزاع 1994م، وكيف سويت القضية بعد ذلك عن طريق نحر الثيران التي لا علاقة لها بمحاولة الاغتيال، وهناك عشرات ومئات الحالات التي تبين عجز الجهاز القضائي والبحث الجنائي والأمن العام عن استدعاء بعض الزعماء القبليين الذين يرتكبون أعمال مخالفة للقانون وفي بعضها جنايات بحق مواطنين تمثل انتهاكا للدستور والقانون بأبشع الصور، وهو ما يعني أن بعض الزعماء القبليين هم فوق القانون والدستور، وبالتالي فوق مؤسسات الدولة المفترضة.

إن المطلوب اليوم ليس القضاء على القبيلة فالقبيلة كما قلنا ظاهرة تاريخية ومجتمعية معروفة وراسخة الجذور في المجتمع، لكن المطلوب هو توطين الثقافة المدنية من خلال تعلم المواطنين حقوقهم، وبناء منظومة المواطنة المتساوية، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون وتقوية وتدعيم الجهاز القضائي والأمني وإقامة العدل في التعامل مع حقوق المواطنين، وتفعيل وظيفة الدولة بمختلف مؤسساتها، وعندما تنجز مثل هذه المهمات، فإن زعماء القبائل أنفسهم سيجدون مصلحتهم في الاحتكام إلى المؤسسات الحكومية وسيكفون عن لعب الدور البديل للدولة ومؤسساتها الشرعية.

إن حضور القبيلة والمؤسسة القبلية يزدهر كلما غابت الدولة أو ضعفت ولذلك فإن تعميق مفهوم المواطنة وتكثيف حضور الدولة هو الشرط الأساسي والرئيسي لحسم هذه المعادلة المعقدة لصالح الحياة المدنية وتجذير عملية الانتقال السلمي على طريق الدولة المدنية.

برقيات:
*   لست متيقنا أن الوقت المتبقى على موعد بدء الحوار الوطني يتسع للشروع في حوار جاد وذي فاعلية في تحقيق المبتغى منه أم إننا سنحتاج إلى مزيد من الوقت للإعداد الجيد لمؤتمر يخرج فيه اليمنيون من دائرة الأزمات المتناسلة في حياتهم.

*  أتمنى أن ينجح مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة جمال بن عمر في بذل المزيد من الوقت للجلوس مع ممثلي الحراك الجنوبي للاستماع إليهم بصبر وطول نفس ولساعات طويلة وربما لأيام ، لأن لقاء في المطار أو جلسة نصف ساعة أو حتى ساعات قليلة لا تكفي للتعرف على قضية بتعقيد وحجم ومشروعية القضية الجنوبية.

*  قال الشاعر عبد عبد الوهاب نعمان:

قَلْبِيْ يُزَلْزَلُهُ حَنِيْنُهْ

وَيَكَادُ يُبْكِيْنِيْ أَنِيْنُه

حُزْنَاً عَلَىْ وَطَـنٍ بِهِ

قَدْ عِشْتُ تَحْضَنُنِيْ جُفُوْنُهْ

وَحَيْيْتُ تُفْرِحُنِيْ أَمَانِيْهِ

وتُتْرِحُنِيْ شُجُوْنُهْ
عَطِرُ الرِّحَابِ كَأَنَّمَا

فِيْهَا يَمُجُّ المِسْكَ طِيْنُهْ

مَهْمَا تَبَدَّا وَجْهُهْ

رَثَّاً تُجَلِّلُهُ غُصُوْنُهْ