وكم شاسامح لو انا شاسامح
 
DateTime 12/01/2015 03:10:50 م    

وكم شاسامح لو انا شاسامح


عبده النقيب
 
الكتابة عن التصالح والتسامح أمر معقد وشائك في أي دولة كانت, اما وان يكون مضوع الكتابة  عن بلد مثل الجنوب العربي المحتل فإن الامر يصبح اكثر تداخلا واكثر  جدلا.. لكنه امر لابد من خوضه لأهميته وادعو كل المعنيين للكتابة في هذا المجال,  فهي دعوة لمراجعة اداء الثورة التحررية في الجنوب العر بي .. مراجعة لمبادئ واسس  ومفاهيم التصالح والتسامح التي ارى بانها تتماهى مع قيم الثورة التي يغيب عن الكثير فهمها . لا ادعي شيء غير اني احاول هناك إثارة وتحريك المياه الراكدة لعلها تكون بداية لمراجعة شاملة لمسيرة عشر سنوات خلت. الموضوع كتب في حلقتين
الحلقة الاولى
فعالية التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي الجنوبي في ذكراها التاسعة  13 يناير 2006م تهل علينا اليوم بوجه شاحب وعيون زائغة تحدثنا عن اننا تائهون تكالبت علينا ارزاء الماضي  وانقضت علينا معاول الهدم تدمر كل الجسور التي تبنيها الثورة للعبور الى ضفة الحرية والكرامة.
سأكتب اليوم بشكل ربما يختلف عما سيكتبه الكثيرين من اشعار ومديح لهذه الذكرى العظيمة ليس لمجرد الإثارة والرغبة في المخالفة ولكني سأعصر كل ما بقلبي من حبر الالم لعلي افلح في وضع يدي على موطنه الذي استفحل وقد يتحول الى مرض لا شفاء منه يقضي على ما تبقى لنا من أمل ومن عزم  يمكّن الوطن للنهوض من كبوته.
يبدو ان التطبيل صار ثقافة اليمنية متشابهان في الجنوب على نطاق واسع, فقد تعودنا على عدم التفكير خارج اطار ما يرسم لنا وتعودنا ان نبدع في مدح القوي في المال والسلطة وقبلنا تحريم النقد جبنا لنقوم بتعويض ذلك عبر جلد الضعيف والميت بكل ما لدينا من سياط. هكذا لم استشف من مشروع التصالح والتسامح الذي تحول الى مقالات للغناء ومهرجانات للكذب على الذات أي عمل نقدي او محاولة لتجسيد هذا المشروع الحضاري واقعا ملموسا. تصالحنا وتسامحنا كوحدتنا اليمنية  متشابهان شكلا ومضمونا وكليهما يسيران بالبركة. الوحدة الاوروبية انطلقت على إثر معاهدة روما 1957 والوحدة الخليجية في مايو 1981م ومازالا الاتحادين يعانيان من خطر التراجع بعد أن واجتهما صعوبات جمّة حالت دون تحقيق الوحدة الكاملة والفعلية لكليهما.
أما الوحدة اليمنية فقد تحققت في لحظة تجلي بين شخصين ديكتاتورين داخل نفق (الجولدمور)في عدن فأدخلانا معهما في نفق من الدمار لا يمكن الخروج منه ربما لعشرات من الأجيال والله أعلم. وعلى نفس الصعيد تأسست خلال اربعون عاما مضت مشاريع للتصالح والتسامح في قرابة 28 بلد شكلت بموجبها حوالي 32 لجنة تحقيق وباشرت تلك اللجان في كل بلد بأعمال استمرت لسنوات.  فمثلا في جنوب افريقيا  اصدر قانون لتشكيل لجنة المصالحة والحقيقة, جاء تشكيلها على اثر حوار شمل مختلف الأحزاب السياسية وممثلي المجتمع المدني والكنائس والمساجد والمعابد وبلغ موظفي اللجنة حوالي 350 شخص , واستمرت في اعمالها لمدة عامين ونصف , استمعت لأقوال 23 الف من الضحايا والشهود وانشأت لجان مختصة منها: لجنة انتهاكات حقوق الإنسان ولجنة العفو ولجنة التعويضات.. خلاصة القول ان اللجنة قامت بجهود مضنية للتوصل الى نتيجة معها تهيئ المجتمع لتجاوز آثار الجرائم التي ارتكبت خلال فترة حكم نظام الفصل العنصري. اما تصالحنا وتسامحنا في الجنوب العربي فقد بدأ بمهرجان في جمعية خيرية وخطب فيه عدد من الأشخاص ثم صار مجرد ذكرى سنوية كرنفاليه يتحصن فيها  الضالعون في جرائم يندى لها الجبين , هذه الاحتفالية تمجدهم دون ان يطلب منهم احد حتى التفكير بتقديم الاعتذار الواجب وتحول التصالح والتسامح المنشود الى بوابة عبور لصناعة الديكتاتورية وقمع الثورة والتحضير لاغتيال الوطن.
لاشك ان مشروع التصالح والتسامح هو العمود الفقري لثورة الجنوب التحررية وتحقيقه يعني وضع الأسس الصحيحة لمدماك الوحدة الوطنية الجنوبية والتي هي الشرط الحاسم لانتصار الثورة وبناء الدولة الجنوبية العربية المستقلة و الحديثة. إن أي اخفاق في إنجاز مشروع التصالح والتسامح يعني بكل وضوح النكوص بالثورة وعدم تحقيق  اهدافها المتمثلة بالاستقلال والتنمية  ليس هذا فحسب بل اننا حتى ولو حققنا الاستقلال فإن خطر التمزق قائم اذا لم ننجز مشروع التصالح والتسامح لأننا خسرنا بلد ودولة لهذا السبب بالذات أي بسبب الديكتاتورية والتسلط والإقصاء الذي ولد العنف والجرائم.
مشروع التصالح والتسامح تم اختزاله وتسطيحه وافراغه من محتواه واحتوائه فتحول الى مهرجان للمديح ليس إلا. عندما تتصدى جهة ما لمهمة كبيرة وعظيمة بهذا الحجم ولا تضع لها آلية وخطة عمل مدروسة واسس ومعايير لاشك انها تريد ان تميعها ولن تحلها. هذا يدعونا الى السؤال الاهم والأخطر حول غياب الفهم الحقيقي لمشروع التصالح والتسامح ووضعنا جهلنا او تجاهلنا في بداية سكة تقودنا في متاهة من بحر الى محيط.
حاول الكثير اختزال مشروع التصالح والتسامح بلقاء طرفي الصراع في الحزب الاشتراكي اليمني وخاصة المتورطين في جريمة 13 يناير 1986م وكان المسألة وقفت عند هذا الحد. لكن الحقيقة ان التصالح والتسامح يجب ان يمتد مستمر وجل الجرائم والانتهاكات الذي تعرض له الجنوب منذ 1967 وما قبلها  وحتى اللحظة.. دون المرور بالجرائم والانتهاكات المختلفة مثل اقصاء القوى الوطنية الجنوبية من المشاركة في السلطة وملاحقة المخالفين للرأي وضحايا الانفجارات المتكررة التي عاشها الجنوب على مدار 23 عاما وغيرها حتى تلك التي تشمل الصراعات القبلية في بعض مناطق الجنوب قبل الاستقلال واستمرارها بعد الاستقلال تحت يافطة الثورة وعناوين التخوين والتكفير الثوري .. هذه جميعها يجب ان تشخّص ويحدد فيها الجاني والضحية والجريمة بدقة متناهية وشفافية مطلقة. كل هذه الجرائم او بعضها هي مجرد نتيجة ولم تحدث من تلقاء نفسها بل ان الجريمة الكبرى التي لا يتحدث عنها احد هي التي قادت وخلقت الأجواء ومهدت لحدوث مثل هذه الجرائم.
 ما اقصده هنا او ما هو غائب عن البعض هي تلك الجرائم الشاملة التي ارتكبت بحق شعب الجنوب  ممثلة باغتيال الهوية التاريخية ومصادرة حق شعب الجنوب العربي في تقرير مصيره واغلاق الابواب امام افاق التطور والتنمية فحولت البلد الى مرتع للفقر الذي ولد بدوره الصراعات العنيفة و مرفأ للهجرة, كتم الأصوات وسجن الحرية الفكرية , تمزيق اوصال المجتمع الجنوبي في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل, نهب المال العام على سبيل المثال لا الحصر ( الاستيلاء على الأموال العامة من بنك الدولة الجنوبية عام 1990م والتي  تقدر ب 2 مليار دولار تم اخذها من خزينة الدولة وتحويلها لحساب الحزب الاشتراكي وبأسماء شخصية تستثمر  لهم ولأقاربهم حتى اليوم), وتسليم البلد لعصابات الإرهاب وقبائل اليمن المتخلفة, السكوت عن جرائم التصفية الجماعية الذي تعرض لها شعب الجنوب منذ 1994م حتى 2007م دون ان ينبسوا ببنت شفة وهم معنيين بكل ما يجري كنتيجة لما اقترفت ايديهم , ومن ثم ركوب الموجة ومحاولة تمزيق صفوف الثورة وتشتيت قواها والوقوف الى جانب قوى الشر والاحتلال في جرائمها التي ترتكب بحق شعب الجنوب بشكل يومي حتى اللحظة, الوقوف ضد إرادة شعب الجنوب ومحاولة مصادرتها والالتفات عليها وتمثيل شعب الجنوب دون أي تفويض والتآمر علي الثورة ومحاولة المتاجرة بدماء الشهداء ومحاولة فرض مشاريع مخالفة لإرادة شعب الجنوب يجني منها اصحابها المليارات وستؤدي الى بيع شعب الجنوب في سوق النخاسة وخنق الثورة والحكم عليها بالفناء. هذه كلها جرائم بعضها حدث والبعض منها مازال مستمر  وجل الضالعين فيها هم من فلول النظام الجنوبي السابق. ترى هل حقق التصالح والتسامح الذي نقيم له المليونيات اهدافه!!؟.
في دولة كجنوب افريقيا او في  تشاد دولة الديكتاتور حسين حبري ,حيث ارتكبت الجرائم الكبيرة كان اول اجراء اتخذ للبدء بتثبيت المصالحة والمسامحة هو عزل السياسيين من الصف الأول من المشاركين في النظام الذي ارتكب الجرائم والانتهاكات الكبيرة. وحتى في المانيا بعد سقوط جدار برلين انشئت عام 1992م  لجنة  مختصة بتقييم  تاريخ وعواقب الاستبداد على أيدي الحزب الاشتراكي المتحد في ألمانيا. بمعنى ان كل مشاريع وتجارب المصالحة في مختلف البلدان قامت على اسس ومعايير وفهم دقيق  للمصالحة ذاتها  شاركت فيها مؤسسات مدنية ودستورية وسلطات واعتمدت للمنخرطين فيها اموال طائلة  استدعت معها احيانا طلب الإشراف الدولي لتحقيق هذه المهمة الصعبة والضرورية ورغم كل هذا ايضا واجهت الكثير من الصعوبات والعوائق. لكن ان تختزل المصالحة هكذا بخطاب في جمعية خيرية وتتحول الى مهرجانات للتطبيل والمديح فإنها مؤامرة بكل المقاييس يراد لنا ان لا نتصالح وان ندفن رؤوسنا في الرمال حتى يبقى الجمر تحت الرماد. لا تفسير آخر لدي سوى ان حضور فلول النظام الجنوبي السابق ممن يخشون ان تطالهم اجراءات التصالح والتسامح يعد قويا وقد تكالبوا بمختلف تياراتهم ونسوا خلافاتهم امام هذا الخطر الداهم عليهم.
 تليها الحلقة الثانية.  




تعليقات

لا توجد تعليقات في الوقت الحالي
العنوان:
المرسل:
البريد الالكتروني:
تعليق