قضية الجنوب وقضايا الشمال .. الى أين (1)
 
DateTime 15/06/2012 12:10:25 ص    

هاجع الجحافي  hagaali@yahoo.com


المتعارف عليه عالميا أن الكرة الأرضية مقسمة إلى الشمال الصناعي الغني  والجنوب النامي الفقير .. وبينما تتعدد وتتداخل قضايا جنوب العالم ،تتوحد وتتقدم دول شمال العالم...أما على خارطة العالم وفي المنطقة المسماة اليمن ،تنعكس هذه المقارنة ،حيث تتعدد وتتشابك قضايا الشمال  وتتحد وتتحدد قضية الجنوب.


من هذا المدخل يمكننا وضع رؤية لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل أي متحاورين على طاولة أي مؤتمر حوار  قادم يخوض في قضايا اليمن الشمالي واليمن الجنوبي ،أو إذا أردتم الجنوب اليمني والشمال اليمني ..وارجو عدم التحسس من كلمات مثل جنوبي وشمالي لأنها اصبحت واقع لا يمكن نكرانه.


رغم أنني حاولت الصمت خلال السنوات الثلاث الماضية وابتعدت عن الكتابة تضامنا مع صحيفة "الأيام" الغراء ،من جهة  ومن جهة أخرى  لقراءة الواقع بشكل أفضل ،إلى جانب الشعور بعدم احترام  منطق العقل والتحليل من قبل الحكام والمظلومين ..أجد نفسي ملزما دينيا ومهنيا وأخلاقيا  أن أدلي بدلوي في هذه اللحظة التاريخية بعد أن وصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه اليوم .. خصوصا بعد أن صار الرويبضة  يحللون ويحرمون .. يناقشون ويفتون .. ويوزعون صكوك الوطنية والغفران.


فبعد مرور 22عاما على قيام ما يسمى الوحدة اليمنية بين الجنوب والشمال ، أجدني اكتب بألم وحرقة من مكان إقامتي  المؤقت في المدينة الجميلة صنعاء  والتي اعشقها وأقيم فيها منذ 22عاما في بيوت الإيجار ،في ظل شعوري بأنني مجرد مواطن جنوبي "مقيم " حالي كحال 99%من الجنوبيين المقيمين في عاصمة ما يسمى دولة الوحدة ،لدرجة صرنا فيها نعتبر أنفسنا أبناء الجالية الجنوبية  المهددين بالانقراض  خلال سنوات قريبة ..بعكس أبناء الشمال الذين تيسرت لهم سبل العيش  والتوطن والمواطنة  والحياة الكريمة  على امتداد أراضي الجنوب .
من هذا المدخل يمكنني  التطرق إلى قضية الجنوب وقضايا الشمال ، كمحاولة لقراءة وتشخيص الواقع ، لابد أن تؤخذ  بالاعتبار في مؤتمر الحوار القادم ،إذا أراد كل ذي لب وعقل الوصول إلى حلول ناجعة ومنطقية  لتفكيك العقد والمشكلات  والقضايا والأزمات  اليمنية المتصاعدة والمتراكمة !.


أولا : القضية الجنوبية


لقد تبارى المحللون والكتاب والسياسيون والحزبيون في توضيح وتعريف القضية الجنوبية ..وللأسف الشديد أن هناك منهم من لازال يتعامل معها "اليوم" كقضية حقوقية مطلبيه ، ومثل هذا الطرح لم يعد يجدي نفعا ، لان القضية تحولت إلى "ثورة "منذ عام 2007م وهي أول ثورة شعبية سلمية حضارية على مستوى الوطن العربي  والشرق والأوسط ، وما الثورات "الربيعية "  التي شهدناها العام الماضي 2011م  إلا صورا منسوخة عن ثورة شعب الجنوب  في المنطقة الجغرافية المسماة "اليمن "...


أن البحث والقراءة في الهوية الوطنية التي تجذرت حتى اليوم يساعد كثيرا في فهم القضية الجنوبية .. فعندما دخلت دولة الجنوب في وحدة اندماجية  مع دولة الشمال عام 1990م ،تمخض عن ذلك كيان دولي جديد يسمى "الجمهورية اليمنية " .. حينها كانت  بقايا الهوية اليمنية تجمع الشعبين الشقيقين ولو وجدت السياسات والبرامج الوحدوية الصادقة والجادة والعادلة لأنتجت هوية واحدة لشعب واحد ..إلا أن الأزمة بين النظامين ثم بين الشعبين ظهرت بعد الوحدة مباشرة  وتعمقت أكثر بعد سياسات  وخطاب انتصار الشمال على الجنوب عام 1994م وما تلاه ،لتتجذر بعد ذلك هوية جديدة في الجنوب ، ومنذ عام 2007م وحتى اليوم  أصبح للجنوب هوية وطنية راسخة  رسوخ جبال "ردفان "و "شمسان" ولا أستطيع القول "عيبان " فربما يتعرض مستقبلا للفيد والنهب ويتحول إلى آثر بعد عين .
هذه الهوية وحدت شعب الجنوب لأول مرة في التاريخ ..يحملها ويفخر بها كل مواطن من باب المندب إلى المهرة .. وهذا هو مصدر قوتها ..فالجنوب جغرافيا تحول إلى هوية وطنية جامعة لسكان هذه المحافظات ، وباتت أيضا تمثل هوية قبلية حضارية متطورة  وراسخة .


فنحن اليوم أمام مواطن جنوبي  في مواجهة المواطن الشمالي بغض النظر عن أماكن السكن والإقامة .. وكذلك قبيلي جنوبي يضع رأسه بشموخ في رأس قبيلي حاشدي وقبيلي بكيلي ، والدليل أن كل جنوبي يشعر بالغيرة تجاه أخيه الجنوبي  حتى وان كانا لا يعرفان بعضهما  ومن محافظات متباعدة ، وبهذا المنطق القبلي  فان قبيلة الجنوب  العصرية المتحضرة   باتت اكبر قبيلة  على مستوى الجزيرة والخليج  بل والعالم العربي ، يضاف إلى ذلك أن هناك ما لا يقل  عن العشرة ملايين جنوبي في المهجر  والشتات في جنوب شرق آسيا  ووسط وجنوب أفريقيا ، يمكن أن يعودوا إلى أرضهم ومسقط رأس أجدادهم  في أي وقت يشاءون وهذا أمر متفق عليه بين أبناء الجنوب عامة وسيثبتونه في أي وثائق أو تشريعات  مصيرية مستقبلية .


لقد أصبحت قضية  الجنوب  واضحة وساطعة في كبد سماء الحق والحقيقة ، وليس بمقدور أي قوة على الأرض  أن تنال منها بسوء ، إنها أقوى  وأطهر قضية على الإطلاق ولا يفوقها إلا قضية الشعب الفلسطيني المحتل ، والغريب أن البعض مازال يراهن  على فكرة الحقوق والمطالب والمواطنة المتساوية  ودولة النظام والقانون ، كحلول جذرية  لإنهاء مسمى الجنوب  .


...والأغرب أن بعض أو جل هؤلاء يدعون إنهم ثوار وثائرون على الظلم  والطغيان ، أو أنهم انفقوا أموالهم  وحشدوا قبائلهم  لبناء الدولة المدنية الحديثة  المزعومة .. وأخشى أن تكون دولتهم القادمة بدون  أرقام كتلك السيارات التي اجتاحت صنعاء محملة بالرشاشات والمدافع والمسلحين في معارك الدولة و اللا دولة .. النظام و اللا نظام .. الثورة واللا ثورة .. الوطن والقبيلة !!!.


إن قراءة بسيطة لمخرجات السياسات المنتهجة تجاه الجنوب  تمكننا أن نستنتج بوضوح  أن الذين حكموا صنعاء بالأمس والذين يحكمون اليوم "الشركاء الخصوم " ، ربما أنهم  على اتفاق إزاء تغذية الخلافات الجنوبية - الجنوبية  ظنا منهم أنهم بذلك سيتمكنون من تفكيك القضية وتشتيت الجهود وتغيير المفاهيم .. غير مدركين – أو لا يريدون إدراك – أن الجنوب أصبح ثقافة وسلوك  وهوية تزرع في الأجيال ، يرضعها الأطفال من أثداء أمهاتهم - حرائر الجنوب.. وهؤلاء سيتحولون إلى طوفان قادم إذا لم ترسخ الحلول الآمنة  والمستقرة لمستقبلهم من الآن .


كما أن لجوء البعض في صنعاء في الوقت الراهن إلى إثارة قضايا جنوبية فرعية والتخويف منها مثل حضرموت وعدن  والحديث عن رئيس جنوبي  ورئيس وزراء ووزراء جنوبيين ، يعد هروبا من الاعتراف الصريح بقضية الجنوب وبحث المعالجات لجذورها وأسبابها ، ويعد أيضا منطقا عقيما ومريضا للغاية ، لان أبناء الجنوب  - كما قلت سابقا – صاروا يحملون هوية واحدة بكل فخر واعتزاز ، ويعترفون من الآن  بالخصوصيات الجنوبية .. ويطمئنون العالم بتأكيدهم المستمر  مرارا أن جنوبهم القادم لن يكون نسخة من جنوب ما قبل عام 1990م ، بل جنوب ديمقراطي ينعم بالحرية والتنوع وتعدد الآراء والتوجهات ،يحتكم للشعب من خلال مؤسسات المجتمع المدني .. يدعم الخصوصيات الجغرافية والثقافية والتاريخية والمدنية والاقتصادية .. يقاوم التطرف والعنف والإرهاب  ويؤمن بالآخر ...

يرسخ قيم الاعتدال والوسطية والمحبة  والسلام .. يتعاطى بشكل ايجابي  مع الجيران  والعالم من حوله .. يحترم القبيلة و الأسرة كمكون تاريخي  حضاري اجتماعي  ويطور من  دورهما ووجودهما الحضاري  في البناء والتنمية ،والاهم من ذلك انه ملتزم بالقيم السمحة للدين الاسلامي الحنيف.


أن الذين مازالوا يكابرون  في عدم التعاطي مع الجنوب وقضيته كمكون وكوجود جغرافي وسياسي وسكاني واقتصادي حضاري ، لا يختلف حالهم عن حال الذي يدفن رأسه في الرمال معتقدا انه يرى أفضل من غيره .. وهؤلاء للأسف الشديد تناسوا أو يتناسون  حقائق الوجود والكرامة  والتاريخ والجغرافيا ..ولو نقلوا أنظارهم قليلا من تحت الرمال  إلى ما حولهم ،لتمكنوا من رؤية الصورة الواقعية بشكل أفضل .. أما إذا كان عندهم عمى ألوان ، فيمكنني أن أوضح لهم أنني أرى في الآفاق التالي :


1- حين نتحدث عن الهوية ، لا يختلف اثنان ، أن سكان المنطقة المسماة "اليمن " يستمدون منها هويتهم اليمنية منذ آلاف السنين ،وأقاموا عليها دويلاتهم المتعددة والمتصارعة شمالا وجنوبا. وشرقا وغربا.. وان مصدر التفكك والاضمحلال هو اختلال  العلاقة بين المركز والأطراف .


2- إن فكرة الأصل والفرع ،هي اخطر مرض عشعش  ويعشعش في عقول معظم أبناء الشمال  وعلى رأسهم بعض الساسة والكتاب والناشطين والناشطات ، منذ أن زرعها الإمام يحي حميد الدين بعد أن قام بحملة لاحتلال الجنوب في نهاية عشرينيات القرن الماضي – وهو ربما فعل ذلك نكاية بالاستعمار البريطاني – وقد كانت تلك الحملة تحت شعار "عودة الفرع إلى الأصل "  ولم يتمكن خلالها سوى ضم وإلحاق الضالع وبعض مناطق لحج بالمملكة المتوكلية اليمنية  لعدة سنوات ، والمؤسف أن احد الكتاب الشماليين ألفطاحله ، كتب قبل عدة اشهر من واشنطن  مدعيا أن الضالع كانت شمالية ! ربما لأنه يجهل التاريخ – وتلك مصيبة – أو لأنه متأثرا بمرض الضم والإلحاق  وعودة الفرع للأصل – وتلك أعظم المصائب مع انه ينتمي لمحافظة شمالية هي اصلا كانت جنوبية!!.


3- إن الهوية في العالم المعاصر الذي نعيش فيه ، أعلنت فك الارتباط بالتاريخ والجغرافيا ، وباتت مرتبطة بشكل وثيق بالمصالح الاقتصادية  والسياسية والاجتماعية  والثقافية للشعوب .. ويمكنني هنا أن أخاطب عقليات أصحاب الفرع والأصل ، بأن أسوق لهم المثالين التاليين  ، وهما قريبان من مرمى أبصارهم ، وعليهم القراءة جيدا واخذ الدروس والعبر .. والمثالان هما :

أ‌- المواطن الإماراتي : 


 قبل عام 1970م لم يكن في العالم دولة تسمى دولة الإمارات العربية المتحدة  ، وما من وجود لشخص على الأرض يسمى مواطن إماراتي ..فمكونات دولة الإمارات الشقيقة المعروفة اليوم كانت تسمى مشيخات عمان ، وكان فيها أكثر من هوية  وأكثر من مواطن ترتبط أسمائهم  وهوياتهم بالمشيخات والإمارات التي ينتمون إليها(أبو ظبي – دبي – الشارقة – أم القيوين – الفجيرة – رأس الخيمة- عجمان ) ولكن بجهود وحكمة الشيخ زايد بن سلطان "طيب الله ثراه" وجهود حكام وحكماء  تلك المشيخات  والإمارات ، ظهر إلى الوجود اسم  مواطن إماراتي "منذ أربعين عاما فقط ".. وهو من أكثر المواطنين في العالم افتخارا بوطنه .. وأفضل مواطن عالمي يعيش حالة من الرخاء الاقتصادي والاستقرار المعيشي ..وبالمناسبة فقد علمت من مصادر خاصة أن الخبير البريطاني الذي نصح الشيخ زايد بالاتحاد هو نفسه الذي وضع فكرة اتحاد الجنوب العربي سياسيا  أواسط خمسينيات القرن الماضي بعد أن طورها اقتصاديا  أواخر الستينيات لتناسب اتحاد الإمارات العربية  الشقيقة .


وها نحن اليوم أمام  هوية راسخة وعميقة عمرها 40 عاما فقط لكنها  تناطح برج زايد الأطول في العالم  والمطل على صحاري جزيرة العرب من الشرق .. بينما في اليمن هوية يزيد عمرها على ثلاثة آلاف عام ،لكنها غارقة في مستنقعات التخلف والجهل  وثقافة الكبر والاستعلاء والفيد والإقصاء  والتشتت والانهيار  والفقر والجوع والبطالة .


ويبدو أن المشكلة تكمن  في أن اليمن لم تحض برجل وقائد حكيم مثل الشيخ زايد رحمه الله .. كما لم يتعلم حكام ومشايخ اليمن من الدرس الذي أرساه الشيخ زايد  على الساحل الشرقي لجزيرة العرب .
من هذا المنطلق لنا عبرة في موضوع الهوية  وإمكانية بروز هويات متعددة مستقبلا  طالما توفرت لها مقومات الوجود "شعب – ارض – ثروة – إرادة " وكلها متوفرة في أرض الجنوب ، وقد كان لها وجود وتاريخ إلى ما قبل 20 عاما بل والى ما قبل الستينيات.. كما يمكن أن نستفيد من الدرس الإماراتي  لنبني الشكل القادم الذي يمكن أن يجمع اليمنيين تحت هوية واحدة، مع حفظ التنوع والحقوق والشراكة واحترام الخصوصيات.

 

ب‌- المواطن السعودي:


لن اذهب بعيدا في أعماق  وسياسات وأحوال المجتمع السعودي الشقيق .. فقط سأعود إلى الوراء قليلا ، إلى ما قبل 70 عاما ، حين كانت مناطق نجران وجيزان وعسير ، تنتمي إلى اليمن  ومسكونة بيمنيين أبا عن جد -  ومساحة هذه المناطق بالمناسبة توازي نصف مساحة ما كان يسمى اليمن الشمالي – ويزيد على ذلك أنها من أفضل وأخصب الأراضي في منطقة الجزيرة العربية .
لكن اليوم لو ذهبنا إلى سكان هذه المناطق وقمنا بعمل استفتاء  بغرض عودتهم إلى يمنيتهم ، لوجدنا أن النتائج 100% ستكون مؤكدة للانتماء السعودي ، بل أنهم سينكرون أن أجدادهم كانوا يمنيين ، ولن استغرب أن يقول شبابهم وأطفالهم أنهم يجهلون منطقة في العالم تسمى اليمن .


إذا نحن أمام هوية سعودية جديدة عمرها 80عاما تقريبا ، يتشكل منها سكان السعودية الشقيقة  بمختلف حسابات التاريخ والجغرافيا والسياسة والانتماء ، ويجمعها الحياة الكريمة والاستقرار المعيشي.


وأمام ذلك مازال المواطن اليمني الشمالي "المتعلم والجاهل " ينكر على المواطن اليمني الجنوبي مجرد التفكير في استعادة دولته التي كانت ذات سيادة حتى الأمس القريب ، بينما نسي أو يتناسى أن نصف ارض الشمال الخصبة بكامل سكانها صارت تنتمي إلى هوية أخرى ، ولا يطبق عليهم عقدة الفرع الأصل ، كما لم ولن نسمع أي منظمة حقوقية يمنية "داخل صنعاء أو في نجران وجيزان وعسير "تشكو من الضم والإلحاق  من قبل السعودية ، ربما لان من يمارس هذه السياسة لا يمكن أن يشكو منها  حتى وان كان يعاني أعراضها، بل أن مناطق يمنية شمالية – وليس جنوبية !- بمشايخها وأفرادها تستلم مرتبات شهرية من الشقيقة السعودية ،ولن يمانع  أي يمني في التنازل عن جنسيته نظير الحصول على فرصة عمل فقط في السعودية !!!.

 

4- لقد عجزت دولة الوحدة اليمنية بشكل مطلق أن تحافظ على الهوية ، وان تبني دولة المواطنة والنظام والقانون والعدالة والمساواة والشراكة ... وباتت هذه الدولة تعاني من مختلف الأمراض الاقتصادية والسياسية والاجتماعية  والفكرية والدينية والسلوكية والأمنية، ولم يعد بالإمكان  التعايش بين مواطنيها في ظل هكذا أوضاع ، وحان الوقت للبحث عن شكل جديد يكفل الحياة الكريمة والتعايش المستقر لسكان منطقة بلاد اليمن ، أسوة بالتعايش القائم بين سكان منطقة بلاد الخليج ومنطقة بلاد الشام.


5- أيقن المواطن في الجنوب أن الانتقاص من وجوده وقضيته العادلة ، بات يمارس مع سبق الإصرار والترصد من قبل كل القوى في الشمال ، سواء في عهد "النظام السابق " أو عهد "النظام الحالي –السابق".. . والأسوأ من ذلك  أن الثورة التي اندلعت في مدن وساحات الشمال بقيادة قوى حزبية و تقليدية ، رفضت التعاطي مع القضية الجنوبية تحت شعار "إسقاط النظام أولا".. وبعد تغيير النظام – شكلا – بنظام  "ائتلافي خليط "!!، نجد بعض قادة الثوار والناشطين يمارسون سلوكا دكتاتوريا  فجا تجاه كل ماهو جنوبي ، وبشكل أسوأ وأبشع مما كان يمارس سابقا .. ومن ذلك على سبيل المثال وليس الحصر  ما يلي :

أ‌) انتاب أبناء الجنوب الشعور بالاستفزاز والتسلط المقيت ، بعد سماع ذلك التهليل  ومشاعر الفرح والبهجة الصادرة عن أبواق الثورة ودعاة الحرية والكرامة في صنعاء ومدن أخرى ، بمجرد صدور قرار مجلس الأمن الدولي  رقم "2014" بشأن الأزمة اليمنية ، حيث أثارت هذه الأبواق الثورية والحقوقية وبشكل فج ومقيت أن هذا القرار قد ألغى قراري مجلس الأمن بشان اليمن والجنوب رقم "  924 "  و "  931 "  الصادران أثناء حرب صيف 1994م بين الشمال والجنوب ..المتوجة بنصر 7يوليو المؤزر والذي عمد الوحدة بالدم  وفقا لما يردده أبناء الشمال .. بل أنني اسمع هذا المنطق المريض حتى اليوم كلما فتح النقاش  عن الوحدة .. بل تجد من يقول  سنقاتلكم ولن نسمح لكم بالانفصال .. واجد نفسي أقول لهم : أن جنوب 2007م غير جنوب 1994م والحليم تكفيه الإشارة!!.


وهذا التهليل الثوري الشمالي للأسف الشديد عمق من مشاعر الأسى والحزن  والأسف بين أوساط الجنوبيين  تجاه إخوانهم الثوار الشماليين رغم أن أبناء الجنوب كانوا في مقدمة الثورة والثوار  ودعموا هذه الثورة بقوة .. لكنهم أدركوا أنهم لابد أن يثوروا على هذه الثورة  الظالمة لهم  والواقفة ضد قضيتهم العادلة  وثورتهم السلمية الحضارية ..وأراد أبناء الجنوب أن يلقنوا إخوانهم الثوار الشماليين درسا في الأخلاق الثورية .. وتعريفهم أن قرارات الشرعية الدولية – وقبلها شريعة السماء والإنسانية – لا تموت  ولا تسقط بالتقادم طالما وهناك شعوبا حية ومناضلة  تدافع عن بقائها  باستماتة وتنحت حقها على صخرة الوجود الإنساني.

 

ب‌) شعر المواطن الجنوبي بالاستفزاز الشديد إزاء منطق ثوار ونشطاء الشمال في تذكر الشهداء وعددهم – رحمهم الله – ومن  ذلك قول الناشطة القيادية الثورية الاخوانية النوبلية ، أن شهداء الثورة شماليين  ومن حزبها وليسوا من الجنوب !! وكأنهم لا يعترفون بشهداء الجنوب وهم بالآلاف قبل الثورة وإثنائها .. وما زاد الطين بلة إقامة احتفالية كبيرة في صنعاء أطلق عليها "الوفاء ليوم الشهيد 18مارس" حضرها رئيس الوزراء محمد باسندوة وعدد من الوزراء والذي أعلن فيها عن مزاد للتبرع لأسر الشهداء والجرحى ، في الوقت الذي أصدر فيه رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي قرارا جمهوريا بمنح كل شهيد ممن  سقطوا في ثورة الشمال 2011م راتب جندي  .. وقد مثل ذلك استفزازا لمشاعر المواطن الجنوبي وهو ينظر إلى آلاف الشهداء  والجرحى والمعاقين الذين سقطوا في الجنوب دون أن يمنحوا راتب جندي أو يحصلوا على مساعدة - مع احترامي للأخ وزير الدفاع الذي سارع إلى تسوية هذه الهفوة وبات محل تقدير الجنوبيين نظرا لمواقفه المتميزة دوما-.. ورغم أن هناك عدة مجازر ارتكبت بحق أبناء الجنوب منذ العام 2007م ، إلا أننا لم نلحظ دمعة حزن شمالية أو حتى إقامة فعالية مجاملة لأسر الشهداء .. ومع أن أبناء الجنوب يشعرون بالأسى والحزن لسقوط الشهداء وسفك الدماء البريئة الطاهرة شمالا وجنوبا .. إلا أن ثوار ورجال العهد الجديد في صنعاء جعلوا يوم 18 مارس يوما للشهيد ، رغم أن هناك أياما للشهداء الذين سقطوا فيها بالعشرات  والتي سبقت هذا التاريخ ، ولكن يبدو أن مشكلتها أنها كانت في الجنوب .. وتتناقض مع معضلة الفرع والأصل !! وبعد كل ذلك تجد من يقول مستنكرا : لماذا تطالبون بالانفصال  وفك الارتباط ، مع أنهم يمارسون الانفصال بأبشع صوره!!!!!.


6- بغض النظر عما سيسفر عنه مؤتمر الحوار الوطني القادم – والطبخات السياسية التي يسعى البعض لتمريرها في الكواليس المظلمة – وبغض النظر عمن سيحضره من أبناء الجنوب ، فلن يستطيع أي احد  تجاوز حقيقة أن الحراك الجنوبي السلمي هو الممثل الشرعي الوحيد والحامل لثورة الجنوب  العادلة .. وان على المجتمع الإقليمي والدولي  الراعي للمبادرة الخليجية ، العمل بجد وصدق لرعاية مؤتمر حوار جنوبي –جنوبي ، في طريق تهيئة مناخات مؤتمر الحوار القادم .. وبعد ذلك  أنا على ثقة أن قضية وثورة الجنوب ستطرح بوضوح على طاولة المؤتمر  من قبل من سيحضرونه "بمن فيهم عناصر المشترك والمؤتمر"وستكون الكرة في مرمى صنعاء والرياض والمجتمع الدولي لإيصال ثورة الجنوب إلى المخرج  الذي يرضي أبناء الجنوب  بالدرجة الرئيسة.
وان الحل العادل  والشامل لهذه القضية  سيمثل المدخل  الاستراتيجي الوحيد لأنها القاعدة وإرهابها المزعوم  وأعمال القرصنة في المنطقة  وتأمين حركة الملاحة في الممرات البحرية الدولية المجاورة.


7- لقد أصبح أبناء الجنوب يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن عليهم ترتيب أوراقهم وأولوياتهم جيدا ، ومن ذلك مثلا أنهم لن يستجدوا الاعتراف بقضيتهم من احد ، بل سيراقبون نتائج مجريات ما يجري حولهم ، وقد أكد لي عدد من قادة الحراك أن الجنوبيين لم يعد يهمهم ما تكتبه الصحف في صنعاء أو سيطرة اللوبي الشمالي على مكاتب وسائل الإعلام الخارجية  وتجاهل قضية الجنوب من قبل هؤلاء ومن يقفون ورائهم ، وبشكل يبتعد عن المهنية بوضوح ، بل أن المهم  جنوبيا أن القضية تتوهج في صدور كل الجنوبيين من المهرة إلى باب المندب ، وهذا في حد ذاته أعظم انتصار  للقضية ، وستتبعها تحركات داخلية وخارجية  واسعة ومستمرة منطلقة من سياسات الصبر والنفس الطويل في كشف أوراق الزيف والخداع ، وصولا إلى تصحيح الوضع  الذي يعيد الحق إلى أصحابه .. مع الحرص الشديد على إيجاد علاقات أخوية تحفظ العيش المشترك والاستقرار والطمأنينة لسكان منطقة اليمن  والجزيرة .


مما سبق لا يخفى على أي حصيف أن خيارات المواطن الجنوبي  وصلت إلى أعلى درجات الشعور بالضيم والقهر والتوتر  تجاه الراهن اليمني ، وعلى الرغم من الاختلاف والتنوع بين خيارات الجنوبيين من فك ارتباط إلى فيدرالية إلى كونفدرالية ، إلا أن الجنوب يبقى الموحد والجامع الراسخ لكل هذه الاختلافات ، كما أن هذا التنوع  والاختلاف في المكونات  يؤشر لخارطة سياسية جنوبية مستقبلية ، وهي بذلك تمثل دعما  وقوة للجنوب  وليس إضعافا كما يضن  ويردد البعض "وهذه الجزئية سوف أتناولها بالتفصيل في حلقة خاصة إن شاء الله " .


إزاء كل ذلك ليس أمام أهلنا وإخواننا في الشمال سوى التعاطي الصادق مع الجنوب أولا بالاعتراف الواضح والصريح بالثورة الجنوبية والاعتذار للجنوبيين عما اقترف بحقهم من قبل الشماليين، ثم الجلوس على طاولة الحوار  للاتفاق على حل سلمي يضمن كرامة  وحقوق الطرفين ويضمن استقرار وسكينة الأجيال القادمة  بعيدا عن الحلول التي تفرضها القوة والعنف وسياسات الأمر الواقع ، لان بمقدور الجنوبيين اليوم فرض سياسة القوة والأمر الواقع حتى وان دفعهم لتحقيق ذلك الاستعانة بالشيطان .. ولكن ليس هذا هو الحل  وإنما  هو الذي يرسخ سبل العيش المشترك والذي يحفظ كرامة وماء وجه اليمنيين  وبما يفوت الفرصة على المتربصين بالأرض من تنظيمات إرهابية  وفكرية وطائفية ومذهبية .


ويكفي أن أقول أن أبناء الجنوب قد حسموا أمرهم حتى وان ظهروا مختلفين ، ولكنه اختلاف من اجل القضية  وربما – قد – تهدأ نفوسهم قليلا في حال تم التوصل إلى فيدرالية من إقليمين  جنوبي وشمالي "واكرر ربما" -  لأن خيارات أبناء الجنوب تجاوزت الفيدرالية- ، بحيث تعطى لكل إقليم حرية التعامل مع خصوصياته  وقضاياه  وتضمن سبل وحقوق العيش المشترك للمواطنين .. وبحيث تحدد الفترة الفيدرالية بخمس سنوات للتجربة وإذا قرر الناس استمرار الفيدرالية يتوجب أن ترسخ هذه القيم وتثبت في دستور اتحادي  جديد غير قابل للتعديل على مدى 50 عاما ، يكفل للجنوبيين حقهم الدستوري في رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان والقضاء  والوظيفة العامة والقيادية والدبلوماسية  وسياسات التوظيف والقبول في الكليات العلمية والعسكرية السيادية  وبما نسبته 50%في كل شي... لأن الجنوبيين ملوا وسئموا من سماع الاسطوانات المشروخة  التي تقول : أعطيناكم رئيس الدولة .. معكم رئيس الحكومة ونصف الوزراء !!!.


الأفضل والأسلم  لنا جميعا أن يكون هذا العطاء  من خلال الدستور  نفسه ، وفي ظل النظام الذي يرتضيه أبناء الجنوب أنفسهم  ، لا النظام الذي يفرض عليهم ، لتبقى الأزمة قائمة  وتنتقل إلى خيارات ومربعات اشد صعوبة ونفورا ...واكرر أن الحراك الجنوبي السلمي في الداخل هو الممثل الوحيد والحامل الشرعي للثورة الجنوبية وعلى أي جنوبي يريد المشاركة في أي حوار أن يتشاور مع هيئات ومكونات الحراك حتى يكون الطرح واضحا للعالم اجمع.وان من يشارك في اي حوار يمني لن يمثل الا نفسه او حزبه او مصالحه في حال ركب موجة الحوار دون العودة الى الارادة الحراكية الجنوبية  وسيجد نفسه ضعيفا هزيلا يتحرك بالريموت كنترول من صنعاء بينما سيزداد زخم الثورة الجنوبية والتي ستكشف كل من تآمر على ارادة الجنوبيين وهذا ما ستكشف عنه الاشهر القادمة.


ملحوظة: انوه للقراء الاعزاء انني كتبت هذه الحلقة قبل شهرين وقد استجدت بعض التطورات  سأعمل على استيعابها في الحلقات القادمة والتي سأحرص فيها على وضوح الطرح وبشكل جديد .."الحلقة القادمة ان شاء الله سأبحث فيها جاهدا في قضايا الشمال من اجل فهم أعمق للواقع وأزمة الراهن اليمني المعقد وستتبعها حلقة عن توقعات سيناريوهات الحوار وما بعد الحوار..