جدل الهوية الجنوبية وكيف تعرضت للضرب والتشويه
 
DateTime 12/07/2012 11:38:24 ص    
د.فضل الربيعي

عرفت التكوينات الاقتصادية و الاجتماعية عبر تاريخ البشرية الطويل تطورا متواترا، و ذلـك نتيجة تطور قوى الإنتاج التي انعكس فعلها على علاقات الإنتاج و بالتالي على حياة الإنسان ، مما له تأثير كبير على ثقافات و لغات الشعوب من خلال تفاعل الأنشطة العملية و النظرية ، التي عبرها يتم تحديد الهوية التي تتشكل عبر التفَاعل الحضاري بين الشعوب، و تبقى الخصوصيات المحلية لكل شعب ذات أهمية في تحديد الهوية ,وقد عاش الجنوب في الفترات التاريخية الماضية صراعات طويلة بسبب تلك الغزوات التي تعرض لها ، إلا انه ظل محافظا ومتمسكا بهويته.
 
 
 
ويعد الجنوب منظومة فكرية وثقافية وحضارية تشكلت عبر تاريخ الإنسان بالمنطقة وانتجة تراثا حضاريا وثقافيا متمايزا عن المجتمعات الأخرى وهو دليل على إبداع الجنوب الذين لعبوا دورا هاما في العلاقات الدولية والعربية من خلال الطرق التجارية عبر ميناء عدن ، والدور الذي قام به الحضارم في بلدان المهجر إذ كانوا حاملين للفكر والثقافة والدين الإسلامي واثروا كبيرا في تلك البلدان .
 
 
 
وفي فترات لاحقة تعرضت الهوية الجنوبية  أيضا إلى حملة من الممارسات التي لحقت الضرر والتشويه بها , فإذا ما فهمنا الهوية , بأنها الشعور بالانتماء إلى كيان اجتماعي واضح المعالم يميز مجتمع ما عن غيره من المجتمعات بعدد من الخصائص . كما تعرف الهوية بأنها تعبير يطلق على ما يميز مجموعة من الأفراد في دولة ما عن نظرائهم في دولة أخرى ، بمعنى أن الهوية تتضمن مجموعة من العناصر التي تجعل الأفراد يرتبطون مع بعضهم بعضا وتجعلهم ينتمون إلى منطقة جغرافية معينة وتكون الهوية الوطنية الربط بين الأفراد  والأرض  لتجعل كل هوية تختلف عن  الهويات الأخرى . من هذا المعنى يتحدث الجنوبيين عن استعادة هويتهم التي كانت تجمعهم في دولتهم السابقة . حيث أن دولة الوحدة قد أحستهم  بلا وطن ولا هوية لهم خصوصا بعد تعرضهم للتهميش والإقصاء، وصودرت  كل ممتلكاتهم التي حافظوا عليها في السابق واستبيحت أراضيهم ، وإلغائهم من المشاركة السياسية والاقتصادية وضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية بعد تفكك نمط نمط الإنتاج المحلي المطبوع بالهوية الجنوبية وتفكيكك التنظيمات الاجتماعية والمدنية بعد حرب 1994م ، وتعرضت معالمهم التاريخية والثقافية والدينية التي كانت تجمعهم في هوية  واحدة الى الطمس .  ان ما يعيشه الجنوبيين اليوم في صراع من اجل هويتهم قد بدأ منذ فترات سابقة ، يمكن القول ان الجدل والتنازع  حول مفهوم الجنوب العربي , واليمن الجنوبي والشطر الجنوبي يتعلق بالهوية . وعليه  ان تسمية الجنوب العربي كانت هي التسمية  للكيان السياسي الجنوبي الواحد , فقبل ذلك كانت يعرف الجنوب بالمحميات الشرقية والغربية بالإضافة الى مستعمرة عدن , وقد جاء مشروع الكيان الجامع لربط المحميات وعدن في كيان سياسي واحد محدد الهوية . وقد لقي هذا المشروع اعتراض
 
واضح من قبل أطراف قد لا تنتمي  للجنوب بل أرادوا من هذا المعارضة ضرب هوية الجنوب والتشويش عليها لأغراض لم تتضح إلا في الوقت الراهن .
 
 
 
ولم يدرك الجنوبيون تلك الأبعاد التي تستهدف هويتهم الوطنية , اذا انجروا  يعارضون المشروع الفيدرالي  للجنوب العربي ومعارضتهم تلك الذي جرُوا إليها من زاويا أخرى غير مستوعبة مخاطر ذلك على الهوية الجنوبية ، وقد  كان وراء هذا العمل عدد من  الشخصيات السياسية التي لا تنتمي الى الجنوب وكانت متواجدة في عدن وقد لعبت دور أساسي في الحركة السياسية  في الجنوب ، والهدف من ذلك هو محاولات ربط الجنوب بهويات أخرى  وهذا الفكر قد استهدف الهوية الجنوبية في المهد .
 
 
 
- قد يقول قائل ان اتحاد الجنوب العربي لم يشمل حضرموت والمهرة ، نعم ولكنه الاتحاد كان يسير في اتجاه ضم بقية المحميات كما هو واضح في وثائق والمحاضر التي جرت في تلك الفترة - .
 
 
 
  لقد تعرضت الهوية  الجنوبية أيضا لعددا من الضربات الممنهجة  وهي تلك التي حاولت ان يلحق الضرر بالهوية مرت في ثلاث مراحل وهي:
 
 
 
المرحلة الأولى :
 
- هجرة الأجانب الكبيرة إلى عدن من المملكة المتوكلية وغيرها .
 
- ظهور بعض التنظيمات السياسية والمدنية والنقابية التي تحمل اسم اليمن
 
- تسمية جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في 1967م.
 
 -  تحويل اسم الجمهورية من جمهورية اليمن الجنوبية إلي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وشطب اسم الجنوب منها .
 
 
 
المرحلة الثانية :
 
 
 
 والمتمثلة في  سياسة النظام الحزب الاشتراكي اليمني الذي سمي بالحزب الاشتراكي اليمني في عام 1978، وصولاً الى الوحدة  المزعومة عام 1990 م.
 
ربما كان للفكر القومي العربي أثره في تلك الفترة ومحاربته للقطرية على نفس الصعيد جاءت الأفكار الأممية  المتمثلة في الاشتراكية كمنهج للحزب الحاكم في الجنوب.
 
كل ذلك قد اثر سلباً على التمسك بالهوية الجنوبية.
 
 
 
النقطة الثانية التي ضربت الهوية  الجنوبية وهي الأخطر عليها حيث تمثله في تلك الإجراءات التي اتبعها النظام وهي:
 
-         ضرب البنى التقليدية التي تمثل الوحدات الاجتماعية الأساسية في المجتمع  وهي السلطات والمشيخات بوصفها هويات فرعية .
 
 
 
-          ضرب القوى الاقتصادية في الجنوب تحت مبررات سياسة النظام  وهروب أصحاب رؤوس الأموال الجنوبية للخارج .
 
 
 
-          ضرب المؤسسة الدينية كمرجعية أساسية في المجتمع .
 
 
 
-         ضرب بعض القوى الجنوبية الحكام السابقين والكوادر الوطنية  والعسكرية تحت مبرر انها قوى تابعة للاستعمار.
 
 
 
-          منع وإلغاء أسماء المناطق والألقاب من أسماء العلم في المعاملات الرسمية ، واستبدال أسماء الوحدات الإدارية بأرقام.
 
 
 
المرحلة الثالثة :
 
 
 
وتعد اخطر المراحل التي استهدفت الضرر الكبير في الهوية الجنوبية ، لكنها ربما كانت هذه الممارسات هي التي إعادة انتباه الناس للهوية واستشعروا مخاطر ذلك على كيانهم الاجتماعي ومستقبل الأجيال ، حيث تعرضت الهوية الجنوبية الة الهجوم المنظم والتدمير الممنهج من قبل سلطة نظام صنعاء منذ العام 1994م ، وقد تمثل ذلك في الاتي :
 
 
 
-         رفض أي خصوصية للجنوب تحت مسمى الواحدية ، والوحدة .
 
 
 
-         الهجوم المتوحش على الذاكرة الحضارية والتاريخية والنضالية لشعب الجنوب عبر محاولة طمس معالمها الحضارية والثقافية والدينية والاجتماعية .
 
 
 
-         عمل نظام صنعاء على اخضع الجنوب بالقوة العسكرية في محاولة منه لتفكيك الوحدة الداخلية للجنوب التي بنتها الدولة السابقة .
 
 
 
-         تهميش الجنوب اقتصاديا وسياسيا وثقافيا بدعوة قدسية الوحدة مما جعل الجنوب يعيش بين واقع ملموس لا يمت للوحدة بصلة ، وبين حلم الوحدة التي أنتجها الفكر القومي والاممي والديني .
 
 
 
-         حرمان الجنوب من كل حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية مم جعلهم يعيشون خارج هوية الدولة الأمر الذي يعطيهم الحق للدفاع عن هويتهم الأصلية المسلوبة عند ذلك انتفض الشعب في حراكه السلمي مطالبا استعادة هويته ودولته .