مصير المبادرة الخليجية
 
DateTime 15/08/2012 01:31:02 ص    



د.عيدروس النقيب

منذ أسابيع كان كاتب هذه السطور قد تناول موضوع المبادرة الخليجية في مقالة بعنوان "حتى لا تتحول المبادرة الخليجية إلى وبال على اليمنين" نشرت على أكثر  من موقع إلكتروني وفي أكثر من مطبوعة اسبوعية ويومية، تركزت المقالة على فكرة رئيسية وهي: من أجل أن تؤتي المبادرة الخليجية أكلها، ولكي لا تتحول إلى وبال على اليمنيين، ينبغي التشديد على إزاحة المجرمين المحصنين من أي موقع لصناعة القرار ـ السياسي، أو العسكري، أو الأمني أو الاقتصادي ـ لأنه لا يمكن لفرد ما يقر بأنه قد أجرم وحصل على حصانة من المساءلة على جرائمه، أن يستمر في الإمساك بالأدوات التي استخدمها في ارتكاب الجريمة، لمواصلة ارتكاب جرائم جديدة يأتي بعد سنوات ليطلب حصانة جديدة عليها.
 
وفي مقالة لاحقة حول حكومة الوفاق الوطني، ومدى وفاقيتها، أشرنا إلى إن الحكومة لا تعرف الوفاق ولا يمكن أن تعيشه طالما ظل جزء منها يستمد تعليماته من رأس النظام المخلوع، وطالما ظل نصفها يعطل ما يفعله النصف الآخر.
 
ما أشار إليه الأستاذ محمد سالم با سندوة في مقالته في صحيفة "الوطن" السعودية  ـ التي تناقلها أكثر من موقع إلكتروني في اليمن ـ حول ممارسات بقايا النظام من أجل إفشال حكومة الوفاق وعرقلة تنفيذ قرارات الرئيس الانتقالي من التمرد على التعيينات العسكرية، إلى الدفع بأعمال التخريب التي تستهدف الخدمات الرئيسية، فالقيام باحتجاجات واضطرابات مفتعلة لابتزاز الحكومة، وتوزيع الأسلحة على الجماعات الفوضوية للإخلال بالأوضاع الأمنية، واحتلال الوزارات ونهب محتوياتها وعرقلة صدور قانون المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية وغيرها من الأعمال، كل ذلك لا يعبر إلا عن الاستهتار بمضمون التسوية السياسية واتخاذ المبادرة الخليجية وسيلة لاستعادة الأنفاس والانقضاض على مضمون روح هذه المبادرة والعودة باليمن القهقرى إلى زمن الحكم العائلي وفي أحسن الأحوال الإبقاء على الوضع المضطرب والمتهاوي ما يرشح اليمن للذهاب نحو مزيد من الفشل وربما التشظي.
 
أثبتت الأشهر القليلة المنصرمة منذ التوقيع على المبادرة الخليجية والشروع في تنفيذ بنودها أن اليمنيين عاجزين عن الوفاء بمضمون المبادرة وتحقيق مبتغياتها ليس لأنهم لا يمتلكون القدرة على الوفاء بهذه المهمة ولكن لأن أحد طرفي التسوية السياسية قد أضمر مسبقا الانقضاض على المبادرة والتسويف في تنفيذ بعض شروطها والاحتيال على البعض الآخر، والبحث عن حجج جديدة لتعطيل البعض الثالث، وهو ما يعني أن طرفي المبادرة لا يمكن أن يسيرا بها إلى النهاية بمفردهما، بل يظل الطرفان الإقليمي والدولي شريكين فعليين وحاسمين، باعتبارهما صانعي المبادرة ورعاة تنفيذها، وأهمية الرعاية هنا تكمن في متابعة تنفيذ خطوات المبادرة خطوة وخطوة ومتابعة كل من يتلاعب على مضمون المبادرة أو يحاول إعاقتة تنفيذها واتخاذ الإجراءات الرادعة تجاهه.
 
يعلم اليمنيون أنهم قدموا ما لم يقدمه أي شعب للقتلة والمجرمين ولصوص المال العام لكي يتخلوا عن السلطة ويعيدوا للشعب حقه في تقرير مستقبله بنفسه، وأقصد هنا قانون الحصانة التي حصل عليها أركان النظام السابق، مقابل تخليهم عن السلطة، لكن هؤلاء فهموا الحصانة على أنها مكافأة لهم على ما ألحقوا بالشعب من أذى وما دمروه من موارد وما عبثوا به من أموال وما أزهقوا من أرواح، واتخذوها (أي المبادرة) وسيلة لممارسة المزيد من الجرائم بحق التاريخ والشعب والمستقبل، وهو ما لا يستقيم ولا يتسق مع مضامين التغيير المنشود الذي غدا ضرورة تاريخية لا تخضع لرغبة أحد و حتى لا مع المنطق والحق وأبسط أبجديات القانون السماوي والوضعي.
 
وبوضوح تام نقول أن على رعاة المبادرة الخليجية من الإشقاء والأصدقاء، أن يعلموا أن الشعب اليمني الذي صبر طويلا بانتظار التقيد بهذه المبادرة على ما فيها من مرارات وممالاة للنظام وبقاياه، ينتظر منهم (أي من الرعاة) الوقوف بوضوح ضد العابثين بمضمون المبادرة واتخاذ الإجراءات الرادعة ضدهم، وفي مقدمة هذا إجبار كل من حصل على الحصانة على مغادرة الحياة السياسية وترك اليمن وأهله ليصنعوا مستقبلهم، وإن أصروا على البقاء في الواجهة السياسية فعليهم الخضوع للقانون المدني اليمني والذهاب إلى المحاكمة لنيل العقوبات التي يستحقونها على كل الجرائم التي ارتكبوها في حق الشعب اليمني، وهم يعلمون أنهم ليسوا أقل إجراما وديكتاتورية ـ إن لم يكونوا أكثر ـ من عصابات زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي.
 
مصير المبادرة الخليجية اليوم بيد الرعاة بعد أن عجز اليمنيون عن الوصول إلى نتائج ملموسة في السير باتجاه تحقيق الأهداف المنشودة من هذه المبادرة التي لم تكن الحل الأنجع لمتطلبات التغيير في اليمن، . . . والرعاة الإقليميون والدوليون أمام خيارين إما أن يتخذوا الإجراءات الصارمة تجاه المعرقلين لتنفيذ بنود المبادرة الخليجية وفقا للآلية التنفيذية وقراري مجلس الأمن ـ بما في ذلك اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية، وتجميد الأرصدة المالية وحضر السفر وغيرها من الإجراءات الرادعة، وإما أن يعلنوا التخلي عن مبادرتهم ويدعوا الشعب اليمني يكمل ثورته بالوسائل التي يراها مناسبة وهو قادر على حسم الخيارات التي توصله إلى غايات ثورته.
 
برقيات:
 
*   بعد رفض رئيس الجمهورية استقالة الأستاذ با سندوة من رئاسة الوزراء انتقلت الكرة إلى ملعب رئيس الجمهورية الذي عليه، مقابل رفض هذه الاستقالة العمل على استعادة المؤسسة الأمنية والعسكرية إلى سلطة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والتصدي للمتمردين والمخربين المحصنين الكبار، . . .وإلا فستظل مبررات الاستقالة قائمة، عاجلا أم آجلا.
 
*   لم يكن الأستاذ محمد سالم با سندوة مزايدا أو مبالغا عندما دعا إلى العودة إلى الخيار الثوري بعد أن أثبت المسار السياسي عدم جدواه مع طرف سياسي اختيار ممثلوه سلوك العصابة لتنفيذ اتفاق سياسي بين طرفين يفترض فيهما الاحترام والنزاهة والمصداقية.
 
*   الحملة الموجهة ضد الأستاذ با سندوة على خلفية مقالته المنشورة في صحيفة الوطن السعودية والتي دعا فيها العودة إلى المسار الثوري، تبين إما قصر نظر أصحابها وإما استعدادهم للمساومة مع المجرمين وبقايا النظام المخلوع الذي يعرقل نشاط الحكومة ورئيسها التوافقي والرئيس الانتقالي، خصوصا وأن الكثير من رواد هذه الحملة كانوا قد تلكأوا كثيرا في القبول بالمسار السياسي.
 
*   قال الشاعر المرحوم علي أحمد با كثير:
 
عظمت  دولة  الجمال  وعــزت          وتعالى  ما  فيه  من  أســـــــــــماءِ
 
بعض  أسمائه  يضيع  به  الدهـ          ـرُ فــــــــــــــــــناء وما له من فناءِ
 
نفذت  من  أعماقه  حكــمة  البا          ري  وضــاعت  وساوس  الحكماءِ
 
والسعيد  السعــيد  من  شم  منه          أرجاً من حديـــــــــــــــــــــقةٍ غناءِ
 
والسعيد السعيد من  شهد اللـ             ـه  على  لــــــــوحِ  نوره  الوضاءِ