عن ثورات اليمن
 
DateTime 26/09/2012 10:04:59 م    


علي ناصر محمد
بدايةً نهنيء شعبنا بالذكرى الذهبية لثورة سبتمبر والذكرى ال 49 لثورة أكتوبر المجيدتين، ومن المفارقات التاريخية أن يأتي اليوبيل الذهبي لذكرى ثورة 26 سبتمبر متزامناً مع الظروف اليمنية الراهنة المحكومة بثورة شبابية شعبية سلمية سبقها حراك جنوبي سلمي مما وضع البلد كلها في حالة انتفاضة تغيير من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب وإذا كان من دلالة واضحة لهذه الذكرى والتزامن مع المرحلة الانتقالية الحالية كحتمية من حتميات الثورة الشبابية والحراك السلمي فهي أنها تأتي في هذا التوقيت كعلامة فارقة عنوانها رد الاعتبار لثورة سبتمبر وتضحيات شهدائها ونوع من مراجعة لحالة التراجع التي حدثت بعد سبتمبر 1962م، والأخطاء التاريخية التي تم ارتكابها وأدت إلى عدم تحقيق أهداف سبتمبر والوصول إلى انتكاسة على مختلف مستويات الحياة، وتعميق حالة ماقبل الدولة، بما في ذلك هدف تحقيق الوحدة اليمنية بعد أن جرى تحويل مسارها من خلال الارتجال في تحقيقها ابتداءًا وماتلى ذلك من أزمة وحرب وضم وإلحاق وإقصاء ونشر لثقافة الكراهية واختلال في جسم الوحدة الوطنية فضلا عن الحروب الأخرى العبثية في صعدة والأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالوطن.

ومن المفارقات التاريخية أيضاً أن يحدث نوعاً من التماهي في إرهاصات الثورتين أي ثورة سبتمبر والثورة الشبابية الشعبية وقبلها الحراك الجنوبي السلمي فلكل ثورة أعداء أو مايسمونهم الثورة المضادة التي تعمل على إجهاض الثورة الحقيقية وإفراغها من محتواها وبالتالي حرفها عن مسار التغيير الكامل والشامل الذي خرج من اجله الناس.
لقد أكدنا في عدة مناسبات على أهمية الالتفات إلى القضايا الأساسية التي تشغل الوطن اليوم وفي مقدمها القضية الجنوبية التي تعد قضية مركزية وعلى أساس حلها العادل ينبني مستقبل الوطن

ومن هذا المنطلق فإننا نقدر للقيادة السياسية برئاسة الأخ المشير عبدربه منصور هادي وكذلك حكومة الوفاق برئاسة الأخ الأستاذ محمد سالم باسندوة حجم المصاعب التي تعترضهم ولكننا في الوقت ذاته نأمل الإستفادة من أخطاء الماضي ومن ماعانته ثورة سبتمبر والعمل الجاد على تلافيها، وباعتقادي أن مثل هذا الدور لن يتأتى إلا بتحمل المسؤولية بجدارة بالنظر إلى مطالب الناس وملامسة آلامهم وآمالهم وتحقيق مطلبهم الأساس المتمثل بالعدل والإنصاف والاستقرار ومحاربة الفساد وتوفير الخدمات الضرورية وهو ما ستوفره الدولة المدنية المنشودة بعيداً عن الصراعات والترضيات والتقاسم والسياسات الخاطئة التي استهلكها النظام السابق وبات الناس يدركونها ولم يعد بالإمكان القبول بها بأي حال من الأحوال، ولا بد من التأكيد على أهمية استيعاب القيادات المتضررة من كافة الاحداث السياسية وخاصة حرب 94م في السلك العسكري والسياسي والدبلوماسي لأن من شأن ذلك التخفيف من وطأة الاحتقان في النفوس ويدفع إلى مستوى أفضل من القبول بالحوار والشعور بالشراكة وكذلك الاهتمام بالشباب والمرأة بما يمكنهم من دور طليعي فقد شكلوا جوهر العملية التغييرية وأساسها.

تقع على القيادة السياسية مسؤوليات جسيمة نقدر حجم المصاعب وحجم التعقيد الذي تكتنفه في ظل معطيات الواقع ولكننا نهيب بها أن تلتفت بعناية لكافة الطروحات الموضوعية التي تناولت القضية الجنوبية وقضية صعدة والفساد وهيكلة الجيش ومكافحة الإرهاب بتفعيل الدور الوطني لا الاستعانة كلياً بالخارج لتنفيذ أعمال حربية باتت تشكل واحدة من الأمور التي تثير غضب المواطنين بما تكتنفه هذه الأعمال العسكرية من أخطاء بل كوارث أودت بحياة الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ في مناطق عدة جنوباً وشمالاً.. وندرك أن هذه المسألة ليست وليدة النظام الحالي بل امتدادا لما أرساه النظام السابق والتغيير يقتضي التخلص من هذه السياسة لا تكريسها ونعتقد أن الخارج يمكن أن يسهم في توفير وسائل المساعدة اللوجستية بما يعزز قوة الجيش الوطني ودون المساس بالسيادة.

إننا نرى أن حجم المسؤولية وتعقيداتها تتطلب تكثيف مبدأ التشاور وليس عيباً بل أمراً ملحاً أن تستعين القيادة بفريق استشاري من ذوي الخبرة والكفاءة والتجربة والنزاهة وما أكثرهم في بلادنا.. ونؤكد اعتقادنا بأن الحوار مطلوب ولكن ماهو مطلوب قبله لابد من البدء به وذلك بتهيئة الأجواء الملائمة للحوار الهادف والخلاق وتقديم مؤشرات حقيقية في هذا الاتجاه وقد استبشرنا خيراً بمقررات اللجنة الفنية للحوار على أنها لاتزال بحاجة إلى المزيد من توسيع دائرتها من خلال دعوة كل الاطراف والنظر إلى كافة الملفات العالقة والانفتاح على مختلف القضايا.

ومن المؤسف أن تظهر عوضاً عن ذلك مؤشرات لفشل الحوار والتسوية السياسية برمتها من خلال الفشل في تحقيق أدنى النسب في تحسين مستوى المعيشة و بروز حالات الاغتيال لشخصيات وطنية دون أن تتخذ إجراءات رادعة أو إعمال لقانون المحاسبة والمقاضاة والشفافية في طرح حيثيات ونتائج التحقيقات حيالها لأن عدم فعل ذلك يكشف عن خلل أمني وعسكري وإداري وقضائي ويعكس حالة من العجز التي ترخي بظلالها على الاستقرار وهو ماسيعيدنا إلى المربع الأول، وكما أكدنا غير مرة فإن عدم تحقيق تغيير ملحوظ سيدفع الثورة إلى الواجهة وستطال حينها كافة المعنيين بالتسوية مما سيجعل الموقف أكثر تعقيداً ولن يكون ثمة مستقبل لمبادرات لاحقة، هذا فضلاً عن انسحاب عدد من أعضاء لجنة الحوار مؤخراً، الأمر الذي يعكس هو الآخر نوعاً من التدهور في ظل أزمة الثقة المستعصية بين الاطراف المعنية والتي أحالوها أزمة بين أبناء الوطن، وعليه فإن المبادرة الأثمن تتمثل بالقيام بجهود مضاعفة ومخلصة ونزيهة في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار والتهيئة للحوار ليتسنى للمرحلة الانتقالية أن تنقضي بخير وأن تصل الأمور إلى نهاية سعيدة فلا أحد يريد حرباً والبلد لم يعد يحتمل ذلك، والناس ملوا افتعال الأزمات، والعنف والعنف المضاد والعبث والفساد والإرهاب على أنواعه.

ولم يعد سراً اليوم أن الزعامات تعددت وتفرعنت، وهو أمر مؤسف فالسلطة لا تحتمل الازدواجية في القرار، ولا نريد أن نجد أكثر من رئيس وأكثر من زعيم سواءا في العملية السياسية بصنعاء أم على مستوى الحراك الجنوبي، وهذا التعدد والازدواجية لا تساعد على الحلول بل تزيد من المشكلات وتفاقمها لاسيما إذا كانت بعض الزعامات جزءا من المشكلة وبالتالي لا يمكن أن تكون جزءا من الحل وبرأيي أن إفساح المجال للقوى الصاعدة سواءا على صعيد الاحزاب أم على صعيد العملية الثورية أو الحراك السلمي في الجنوب هو السبيل الأنجع ولاداعي لمزيد من المغامرة والمقامرة والوصاية على الشعب وليدعوا الشعب يقرر مصيره بعد أن قرروا هم مصيره وكان بكل هذا السوء الذي نشهده ولايدفع ثمنه سوى المواطن المغلوب على أمره.

إن الخلافات والتباينات التي تحدث بين هذه الزعامات المجرّبة -بفتح حرف الراء- شمالا وجنوباً هو نوع من إنتاج الماضي إما في حالة من الإصرار على التبديل ورفض التغيير كما في صنعاء أم بالتباكي على الأطلال كما في عدن.

وإذا كنا نؤمن بالشعب وبحقه في تقرير مصيره فلندع له هذا الحق دون أن نلقنه الخيارات على تناقضها ودون زرع الشقاق بالنفاق وبالمزايدة والمصادرة.. فتقرير المصير بالنسبة للقضية الجنوبية يشمل كل الخيارات المطروحة: الوحدة، الفيدرالية، وفك الارتباط.. وبالنسبة لليمن عموماً فان تقرير المصير للجنوبيين سيؤدي إلى استقرار اليمن وسيكون السبيل إلى التغيير ممهداً وسبق أن ذكرنا بأن هذا الامر يتطلب تحقيق مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه وإلا فإن الثورة الشبابية والحراك السلمي سيكونان للجميع بالمرصاد هذا إن لم يستمر هذا (الغي) وطال أمده وتشعبت طقوسه واستشرى مناخه الموبوء مما سيؤسس للاقتتال و قد يضع البلد في حالة حرب مفتوحة واستنزاف مزمن.

إن انتصار الثورة الشبابية الشعبية السلمية سيعيد الاعتبار لثورة 26سبتمبر وانتصار الحراك الجنوبي السلمي سيعيد الاعتبار لثورة 14 أكتوبر، وعلينا أن نفرق بين قيم وظروف ثورتي سبتمبر واكتوبر المجيدتين عندما كان السلاح أوالكفاح المسلح أحد وسائلهما وبين الثورة الشبابية والحراك بقيمهما السلمية وظروفهما المختلفة، فإن الحوار البناء بظروفه الموضوعية الضرورية والجنوح إلى السلم بمقتضياته الأخلاقية هما الوسائل الممكنة للتغيير وتحقيق الدولة المنشودة وتقرير المصير التي سبق وأشرنا بأنها قضية مفتوحة على كل الاحتمالات على أن يكون الشعب هو من يقررها.