البيض - باعوم ، اختلاف الشَبَهْ

احمد عبداللاه

لهذين القائدين تشابه كبير في المكونات العامه للشخصيه وفي تاريخهما النضالي والسياسي منذ عقود خلت حيث اتيا من بيئة ثقافيه اجتماعيه واحده مع اختلاف بعض التفاصيل التي تدخل في دائرة ( الشخصنه ) او الخصائص الحيويه الانسانيه ، تلك المكتسبه من ظروف المنشأ الخاصه بكل منهما التي تمنح أي فرد خصوصيه شخصيه ذاتيه في الحضور و السلوك .
ان وعي الرجلين تشكل وتحزَّب في إطار المنظومه الفكريه الثوريه ربما منذ ان تفتَّح على القيم الوطنيه القوميه في تلك الحقبه الزمنيه التي سبقت استقلال الجنوب ، ثم تطورت تجاربهما وخبراتهما داخل الحزب والدوله الجنوبيه بالرغم من تمايز مواقعهما وطريقة عملهما أو ادائهما .. والمرجح ان اغلبية الاصطفافات التي فرضتها الصراعات المتعدده داخل الحزب بين منعطف وآخر قد تجاذبَتْهما إلى اتخاذ مواقف مشتركه أو متشابهه.
وان كان هناك اختلافات في الطبيعه الانسانيه العامه أو في قدرات تفسير وتحليل مجريات الأحداث في أي زمن فان هذا أمر وارد حتى في إطار أي توأمه بيولوجيه ، وبالتأكيد ان تعقيدات كثير من الأوضاع التي مر بها الجنوب تفرض فروقاً نسبيه بين رؤى الرجلين ولكن ليس بالشكل الحاد في حدود معرفتي على الأقل .
إلا انهما في اي تشخيص عام متشابهان كقائدين يتصفان بالحدة والثبات أمام الضرورات .
لا اعلم ان كان إعلان الوحده الفوريه جداً والتي أُعلنت بشكل مفاجئ ، خارج التدابير الاحترازيه ، لعملية تاريخيه بهذا الحجم وترتبت عليها مخاطرات كارثيه ، ودون وجود اي ضمانات لاستمرارها سلمياً حتى من الزاويه النظريه ، لا اعلم ان كان ذلك قد وضع القائدين على مفترق نفسي لوقت ما ؟ ربما ،
لكن حرب ٩٤ وماتلاها كان حدثاً مزلزلاً وضع الجنوب بأكمله خارج الوجود بقيَمِه الانسانيه الحقيقيه وانصرف أبناؤه للبحث عن وسائل البقاء كيفما كانت.
وبسببها تباعد البيض وباعوم جغرافياً مع الاعتقاد بان كل منهما وفي موقعه ظل مسكونَاً بهاجس واحد كما هو عند كل أبناء الجنوب وهو استعادت الدوله.
ظهر الزعيم باعوم بشكل مبكر من خلال رفضه العلني لواقع ما بعد ٩٤ ثم اصبح في ميادين النضال مع الجماهير ، التي أوصلها حال الظلم والموت البطيء إلى وضع ثوري قل مثيله في تاريخ الثورات مقدمةً تضحيات كبيره ونموذجاً سبَّاقاً في سلميته وعنفوانه، وظل حسن باعوم مرتبطاً من خلال وجوده الفيزائي المادي والروحي في الميادين بعيد عن الصحافة والوسائط الأخرى وكان وحده من يذكِّر بالأسماء القياديه القديمة التي تزاملت وترافقت طوال حقبه من الزمن .. وبالطبع تعرض باعوم كما يعلم الجميع للملاحقات والعذابات الكثيره واصبح من مقيمي السجون الرهيبه في أوقات كثيره آخرها خلال فترة انتفاضة التغيير في الشمال والتي لم تُنْسِ الحكام المتهاوين حقدهم على الشخصيه المحوريه الرئيسه في حراك الجنوب حسن باعوم ، وبالتأكيد تحمل صنوف كثيره من العذاب في عمر تجاوز سني حيويته تماماً مُظهراً ثباتاً وصموداً اسطوريين .
واكثر ما يلتفت اليه الناس ان الرجل لم يتزحزح عن موقفه أبداً ولم يسعٓ لتحقيق ذاته على أي صعيد.
كل ذلك اكسب الرجل جماهيرية كبيره وحضور شعبي كاسح كزعيم ميداني أرهق صموده كل من حاول النيل منه. وبغض النظر عن أي تاريخ فردي فان حسن باعوم رمزٌ جنوبيٌ استثنائي في زمن الضرورات الكبرى مهما حاول الآخرون خلط التاريخ الذي ولّى بالحاضر ، (الضروره) .. حتى ان الإنسان ينتابه الخجل ان حاول الاقدام على تجريح هذا الرجل لاي غرض كان.
ومن زاوية أخرى ظهر علي سالم البيض خلال احتدام الحراك ، بعد تغييب قسري ، متنقلاً بين دول الشتات ووطَّد اتصالاته وعلاقاته بكل قيادات الحراك ، ووضع قضية الجنوب كضية سيايه أمام العالم لما يتمتع به من مكانه كطرف وشريك في عملية الوحده وقاد عملية الدفاع عن الجنوب خلال حرب ٩٤ من موقعه السياسي ثم اعلن وبتأييد كامل من رفاقه عن قيام جمهورية اليمن الديمقراطيه ، التي لم يكتب لها ميلاد لعوامل كثيره اهمها حال التمزق الذي عاشه الجنوب منذ سنوات قبل الوحده والتفوق العسكري والبشري للشمال وخذلان العالم للحق الجنوبي آنذاك .
وبالرغم ان النخب الجنوبيه في غالبها تنتقد بشده أداء قيادة الاشتراكي على مدى تاريخه وصراعاته والذي تتوج باتخاذ أمينه العام قرار الدخول في وحدة فوريه مالبثت حتى اهلكت كل القيم الماديه والروحيه لشعب صغير لم يألف أو يتربى على الحياة خارج إطار الدوله والقانون ،
بالرغم من ذلك فان الجماهير في وضعها المأساوي وحالتها الثوريه العارمة وبشكل تلقائي وجدت في البيض منقذاً يستمد شرعيته ليس من كونه كان قائداً للحزب الاشتراكي أو لانه من وقَّع وثيقة الوحده دون تفويض احد ولكن يستمد مشروعيته بشكل اكبر من الالتفاف الجماهيري حول مشروعه الهادف لاستقلال الجنوب ، ومن ضرورات مرحليه متعدده، واصبح الرجل في الوعي الشعبي يمثل رمزية قائد حمل نواياه الوطنيه الصادقه ، تجاه الوحده التي لم يكن قد ابتدعها لكنها كانت مستمده من شعارات قوميه متاصله في وجدان الشعوب في عهود سابقه ومن اهداف الحزب الاشتراكي النظريه التي وضعت مسالة الوحده كمُقَدَّس مصيري وقدري حملته اجيال من الزعامات والنخب مارسوا بسط الوعي هذا في اطار حلم لا يُمَس حتى اصبح مسلمه توقف حيالها اي اجتهاد للعقل وحملت الجميع على الصمت عند الاعلان عن الوحده الفوريه ، خوفاً من تسجيل مواقف محسوبه لعرقلة وحدة ظل الجميع يعبدونها كصنم في محراب الايديولوجيا وتم اغفال الحد الادنى من الشروط الاحترازيه في وثيقة الاعلان عن قيام دولة الوحده ودون اعتراف تام حينها ان كانت ضروره ام عقيده نظريه .. كل ذلك مع عدم التنبؤ بامكانية الخديعه من قبل الشريك الشمالي أوقعت القائد البيض ورفاقه في مقام من يحمل وزراً يسعى إلى الخلاص من حمله عبر قيادة شعبه نحو الاستقلال .
لقد دخل البيض الوحده يحمل النوايا ويده خالية من اي ضمان متجرداً عن كل اسباب التكافؤ او التوازن فاصبح سهل الهضم وغُدِر به بطريقة تصل إلى أعلى مراتب الخديعه في التراث التاريخي للأحداث ،
لكن الرجل يتمتع بقاعده شعبيه كبيره لثقة الجماهيرالتامه بانه سيقودها للخلاص بعد تجربته المره .
ولقد تقبلت الجماهير ظهور البيض منذ سنوات بحماس منقطع النظير ناسية عتابها وحنقها واعتبرته رمزية سياسيه كبيره وضروريه يعرفها العالم والدول المحيطه ليعمل علناً على استعادة دولة تم سلبها بالقوه أمام العالم .
اذاً فالرئيس البيض والزعيم باعوم ( كما يُلَقبان ) رغم التباعد الجغرافي إلا انهما منذ البدايه كانا يحملان مشروع استقلال الجنوب بل انهما يتمتعان بقاعدة شعبيه واحده فالولاء للبيض وباعوم واحد بين كل القواعد الشعبيه ولا اعتقد ان من يحب البيض يستطيع ان يكره باعوم والعكس وحتى في لحظة الاختلاف المفاجئ حول مؤتمر المجلس الأعلى والذي ظهرت ارهاصاته منذ فترة ليست بعيده .
اختلاف الشَبَه له كثير من النماذج التاريخيه على مستويات عده ، الافراد الجماعات وحتى الاديان السماويه ، وبأوجه عده يأخذ ابعاداً مختلفه وأشكال متنوعه دون ان يكون هناك نموذج واحد يقود لنتيجة واحده .. فالمسألة برمّٓتها تتعلق بالمسبب الرئيسي فإن كان تقنياً فان الاختلاف سيتلاشى لا محال وان كان هناك مُنْزَلق تحركه تباينات رئيسه في الوسائل فيجب عدم الاستهانه به وتصبح الحاجة إلى حوار فوري امر ملح لاجراء مراجعة حكيمه وبالطبع هذا يعتمد على إرادة الزعيمين ويقظة أبناء الجنوب حول الضروراة التي تحتم عدم الاصطفاف الحاد لانه ضرر مخيف.
ان اختلاف الشبٓهْ قد يصبح خطيراً فظلم ذوي القربى الذين لهم هدف واحد وقاعده شعبيه واحده ويمثلا رافعتي مشروع الاستقلال ، يصبح أكثر مراره من اي اختلاف تفرضه ضرورة التنوع .
وهذه المسأله لها تأثير نفسي ومعنوي على الجماهير كون القائدين يحملان مشروع شعبي صرف ويتطابقان في خطابهما ونظرتهما لخيار الحل لقضية الجنوب وظلتا صورتاهما مرافقة لعَلَم الجنوب في كل فعالية حراكية.
أنني لا اعتقد ولا احب ان اعتقد ان خلاف الزعيمين له مُؤثِّر يتجاوز حدود الجنوب أو يستمدانه من اجتهادات حول ما يجب ان تكون عليه العلاقات الخارجيه بالذات مع القوى الاقليميه الرئيسه ، مهما كان هذا التباين في الاجتهاد ، او ان امر كهذا يصبح في صميم الاختلاف أو محركاً له . فالبيض وباعوم لا تنقصهما الخبره والدرايه بحساسية القضية الجنوبيه وضرورة تجنيبها من أي صراعات إقليميه بل انهما قادرَين على توظيف أي علاقه خارجيه ان كانت ضروريه لمصلحة الجنوب.
ان أي سياسي مدرك تماماً بان قطبي الإقليم الرئيسين يتسابقا لضمان ولاءات
وتبعيه القوى المؤثره داخل شعوب المنطقه بأي ثمن واستثمارها في تنمية نفوذهما ، ونرى في السياق كيف امتد صراعهما على الساحه الشماليه ليصبح في المستقبل القريب الصراع الرئيسي هناك شئنا ان ابينا.
لكن الجنوب ليس لديه أي عوامل موضوعيه لهكذا نفوذ أو صراع ، فلا توجد اي تبعيه تاريخيه متاصله لاي من قطبي الاقليم كما انه لا توجد اي مكونات اجتماعيه كبيره اتبطت مصالحها باي جهه خارجيه فشعب الجنوب خال من الكيانات القبليه المتاصله والتي تمتلك جذور تاريخيه وتعيش تحت رعاية أي من دول الجوار مثلما هو الحال عند القبائل الشماليه الكبيره ، ومن جهة اخرى وهذا مهم للغايه فان الجنوب خال من أي صراع طائفي يتم تغذيته من الدول الخارجيه ، كما ان الجنوب في كل تاريخه كان دولة مستقله في قراراتها عن محيطها الاقليمي باقطابه ، وتهابها كل دول الجوار .. ولم يتذكر احد ان شخصيات لها وزن اجتماعي أو مناطقي ارتبطت مصالحها بالخارج.
ان هذا يجعل اي تخوف من اي امتداد للصراعات الدائره في الساحه الشماليه الى الجنوب مجرد اجتهاد او ظن احترازي اذ انه وان حصل شيء من هذا الامر فانه لن يكون عميق البته ويصطدم مباشره بثقافة الجنوبيين المتاصله فيهم عبر الاجيال .
لكن بالرغم من ذلك لا يمنع ان تلك الدول تسعى لاستقطاب الشخصيات الكبيره ذات الوزن الجماهيري أكانت فدراليه أم استقلاليته او تحاول مد جسور ما وهذا امر مفهوم من زاوية المصالح للدول الكبيره في المنطقه لمحاولة التاثير وامتلاك اوراق مختلفه لاي تسويات تتم فيها عمليات مقايضة ما ، دون الالتفات إلى الحقوق العامه للشعب ، وهذا منهج سياسي براجماتي للدول التي تتسابق على النفوذ.
والشمال نموذج حي حيث توغلت فيه قوى اقليميه منذ تاريخ بعيد واصبحت المؤثر الاول في توجيه الاحداث هناك بشكل عام رغم محاولة الخروج بين وقت واخر من دائرتها المحكمه .. الا ان النتيجة كانت دوماً هي العوده لبيت الطاعه .
أنني أسوق ذلك ليس من اجل التلميح إلى شيء محدد ولكن وجدت الأمر هذا ضروره حتى لا يدخل في سياق كثير من التحليلات النخبويه حتى وان كانت مجرده عن أي غرض ، و أتمنى ان لا تتمادى النخب والأقلام في الذهاب بعيداً عن تقييم حالة اختلاف في تطبيق الوسائل إلى قراءات تهدف استجلاء خلفيات ثقيلة المعاني بعيدة عن الحقيقه .

وأكرر أنني لا احب ان اعتقد بان خلاف الزعيمين له امتداد خارج إطار تدافع الوسائل والخلافات التقنيه أو التنظيميه أو قوام الهيئات في قيادة المجلس الأعلى للحراك.
وفي هذا السياق أدعو كل من تهمه قضية الجنوب إلى الابتعاد عن الاصطفافات العدائية أو التطبيل والتسويق والتهويل لهذا الخلاف على المواقع الاعلاميه أو في المجالس العاديه وتحميله ما ليس فيه وارتجال أسباب للاثاره .. بل أدعو إلى تلافي هذا الصدع التنظيمي ووضع أي معالجه تجعل مؤتمر ٣٠ سبتمر والمؤتمر القادم فعاليتين متكاملتين في إطار حراكي واحد وان نتجنب التحشيد وإصدار بيانات التأييد أو الاستنكار ... خاصة والجنوب بحاجة ماسه في هذه المرحله لتجنب أي خلافات جديده و لديه ما يكفي من الاستحقاقات والتحديات وما تتطلبه تلك من تضحيات قادمه.
ان الحراك الجنوبي الشعبي في الاول والاخير اهم من المجالس والمؤتمرات والزعامات وما تلك المؤتمرات سوى ظاهره تنظيميه تضع محددات نظريه وأدبيات وتنتخب هيئات ، يمكن ان تعقد في أي وقت وان لم تعقد سيظل الحراك باقياً ولا يعتقد احد ان عقْدها ضرورة تحتم ان يتحمل الجنوب شقاقاً لاجلها مهما كان حجمه .
ينتابني الإحساس احياناً كأننا عشنا مراحل تدرجت فيها الألوان واحد تلو الآخر نحو الرمادي الفسيح الذي نحاول الخروج منه الآن الى لون ما سيشبه الحياه ، وسوف ياتي ،
وكأن لوحة الجورنيكا لبيكاسو سرد تشكيلي لتلك المراحل اللونيه.. انه أمر حياة لم تمض منسجمة قط . لكن الدنيا والتاريخ يشهدان الان عملية ولادة الجديد فينا الذي لن توقفه أي قوة مهما كانت .
اخيراً لكل النخب والأقلام ولكل القاده أقول لا تستثمروا حماس الشباب أو منظمات المجتمع الوليده ، من اجل توجيهها هنا أو هناك في هذا الظرف.
ولكل قادة الجنوب استقلاليين أم فدراليين اقول لقد تعب الناس من الحياه وانتم لم تتعبو من الخلافات على اشكالها .. فلا تجعلوا اقوالكم فوق أفعال وتضحيات الجنوب .
لقد تناسى الناس تاريخ قيادات الجنوب اجمعين بفعل الضروره فاحترموا ايها القاده عطش الجنوب للحريه وليكن تنوعكم بنّٓاء طبيعي متكامل وعقلاني تتبادلون فيه أدواراً بحنكه ودهاء فأنتم أمام خصم يحمل دهاء شيطاني، ومحاطين بإقليم تحكمه قواعد المصالح والصراع في آن واحد ، وله أجندات تتسع لما هو ابعد من جغرافيته.
تم